١٥

الاستفتاح طلب الفتح ، الفتح القضاء ، واستعجلوا حلول القضاء مثل قولهم : { إِن كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمّطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ }[ الأنفال : ٣٢ ] وغيره فلما نزل بهم البلاء ، وتحقق لهم الأمر لم ينفعهم تضرعهم وبكاؤهم ، ولم تُقْبَلْ منهم صدقتُهم وفداؤهم ، وندموا حين لا ندامة ، وجزعوا بعدما عَدِموا السلامة .

ويقال : { وَاسْتَفْتَحُوا } : بغير الرسل ، ولما وجد الرسل إصرارَ قومهم سألوا النصرة عليهم من اللّه كقول نوح - عليه السلام : { رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً }[ نوح : ٢٦ ] ، وقول موسى عليه السلام : { رَبَّنَا اطمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ }[ يوسف : ٨٨ ] فأجابهم اللّه بإهلاكهم .

ويقال إذا اشتد البلاءُ وصَدَقَ الدعاءُ قَرُبَ النَّجاء .

١٦-١٧

قوله جلّ ذكره : { مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } .

لفظ ( وراء ) يقع على ما بين يديه وعلى ما خَلْف ، والوراء ما توارى عليك أي استتر؛ يريد الكافر يأتيه العذاب فيما بين يديه من الزمان ، وعلى ما خَلْفَه؛ أي لأجل ما سلف من الماضي من قبيح أفعاله ، ويُسْقَى من النار ما يشربه جرعة بعد جرعة ، فلصعوبته مرارته لا يشربه مرةً واحدةً .

قوله جلّ ذكره : { وَيَأْتِيِهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } .

يرى العذابَ- من شدته - في كل عضو ، وفي كل وقت ، وفي كل مكان وليس ذلك الموت؛ لأنَّ أهلَ النار لا يموتون ، ولكنه في الشدة كالموت . ثم { وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } : وهو الخلود في النار ، وهذا جزاء مَنْ اغترَّ بأيامٍ قلائل ساعدته المشيئةُ فيها ، وانخدع فلم يشرع بما يليها .

﴿ ١٥