٣٥-٣٦

قوله جلّ ذكره : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ ءَامِناً وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً منَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى } .

كما سأل أن يجعل مكةً بلداً آمناً طلب أن يجعل قلبَه محلاً آمناً؛ أي لا يكون فيه شيءٌ إلا باللّه . { وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ } : والصنم ما يعبد من دونه ، قال تعالى : { أَفَرَءَيْتَ مِنَ اتَّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ }[ الجاثية : ٢٣ ] فصنمُ كل أحدٍ ما يشغله عن اللّه تعالى من مالٍ ووَلَدٍ وجاهٍ وطاعة وعبادة .

ويقال إنه لمَّا بنى البيتَ استعان باللّه أن يجرِّدَه من ملاحظة نفسه وفعله . ويقال إنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان متردداً بين شهود فضل اللّه وشهود رفق فسه ، فلما لقي من فضله وجوده قال قال من كمال بسطه : { وَاغْفِرْ لأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِينَ }[ الشعراء : ٨٦ ] . ولما نظر من حيث فقر نفسه قال : { وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ } .

ويقال شاهد غيره فقال :{ وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ } ، وشاهد فضله ورحمته ولطفه فقال :{ وَاغْفِرْ لأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِينَ }[ الشعراء : ٨٦ ] .

قوله جلّ ذكره : { فَمَن تَبِعَنِى فإِنَّهُ مِنِىّ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رًّحِيمٌ } .

{ فَإِنَّهُ مِنِىّ } : أي موافق لي ومن أهل مِلَّتِي ، ومن عصاني خالفني وعصاك .

قوله : { فَإِنَّكَ غَفُورٌ رًّحِيمٌ } : طلبٌ للرحمة بالإشارة ، أي فارحمهم .

وقال : { وَمَنْ عَصَانِى } . . . ولم يَقُلْ : مَنْ عصاك ، وإنْ كان من عصاه فقد عصى اللّه ، ولكن اللفظ إنما لطلب الرحمة فيما كان نصيب من ترك حقه ، ولم ينتصر لنفسه بل قابلهم بالرحمة .

ويقال إن قولَ نبينا صلى اللّه عليه وسلم في هذا الباب أتمُّ في معنى العفو حيث قال : ( اللّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) ، وإبراهيم - عليه السلام - عَرَّضَ وقال : { فَإِنَّكَ غَفُورٌ رًّحِيمٌ } .

ويقال لم يجزم السؤال لأنه بدعاء الأدب فقال : { وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رًّحِيمٌ } .

﴿ ٣٥