٧٨

قوله جلّ ذكره : { وَجَاهِدُوا فِى اللّه حَقَّ جِهَادِهِ } .

{ حَقَّ جِهَادِهِ } : حق الجهاد ما وافق الأمر في القَدْرِ والوقتِ والنوع ، فإذا حَصَلَتْ في شيءٍ منه مخالفةٌ فليس حَقَّ جهاده .

ويقال المجاهدة على أقسام : مجاهدةٌ بالنَّفْسِ ، ومجاهدةٌ بالقلبِ ، ومجاهدةٌ بالمال . فالمجاهدةُ بالنفس ألا يَدَّخِرَ العبدُ ميسوراً إلا بَذَلَه في الطاعة بتحمل المشاق ، ولا يطلب الرخص والإرفاق . والمجاهدةُ بالقلب صَوْنُه عن الخواطرِ الرديئةِ مثل الغفلة ، والعزمُ على المخالفات ، وتذكرُ ما سَلَفَ أيام الفترة والبطالات . والمجاهدة بالمال بالبذل والسخاء ثم بالجود والإيثار .

ويقال حق الجهاد الأخذ بالأشق ، وتقديم الأشق على الأسهل- وإنْ كان في الأَخَفِّ أيضاً حق .

ويقال حق الجهاد ألا يَفْتُرَ العبدُ عن مجاهدةِ النَّفْس لحظةً ، قال قائلُهم :

يا رَبِّ إِنَّ جهادي غيرُ مُنْقَطِعٍ ... فكلُّ أرضٍ لي ثَغْر طرسوس

قوله جلّ ذكره : { هُوَ اجْتَبَاكُمْ } .

يحتمل أن يقول من حق اجتبائه إياكم أَنْ تُعَظمُّوا أَمْرَ مولاكم .

ويحتمل أن يقال هو الذي اجتباكم ، ولولا أنه اجتباكم لَمَا جَاهَدْتُم ، فلاجتبائه إياك وَفَّقَكَ حتى جاهدتَ .

ويقال عَلَم ما كنت تفعله قبل أَنْ خَلَقَكَ ولم يمنعه ذلك مِنْ أَنْ يَجْتَبِيَكَ ، وكذلك إِنْ رأى ما فَعَلْتَ فلا يمنعه ذلك أَنْ يتجاوزَ عنك ولا يعاقبك .

قوله جلّ ذكره : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .

الشرع مبناه على السهولة ، والذي به تصل إلى رضوانه وتستوجِب جزيلَ فضله وإحسانه ، وتتخلَّص به من أليم عقابه وامتحانه - يسيرٌ من الأمر لا يستغرق كُنْه إمكانك؛ بمعنى أَنَّك إٍن أَرَدْتَ فِعْلَه لَقَدَرْتَ عليه ، وإنْ لم توصَفْ في الحال بأنَّك مستطيعٌ ما ليس بموجودٍ فيك .

قوله جلّ ذكره : { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } .

أي اتَّبِعوا والزَمُوا مِلَّةَ أبيكم إبراهيم عليه السلام في البَذْلِ والسخاء والجود والخلة والإحسان .

قوله جلّ ذكره : { هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ } اللّه هو الذي اجتباكم ، وهو الذي بالإسلام والعرفان سَمَّاكم المسلمين .

وقيل إبراهيم هو الذي سماكم المسلمين بقوله : { وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ }[ البقرة : ١٢٨ ] قوله : { لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ } ، نَصَبَ الرسولَ بالشهادة علينا ، وأمره بالشفاعة لأمته ، وإنما يشهد علينا بمقدار ما يُبْقى للشفاعة موضعاً ومحلاً .

قوله جلّ ذكره : { وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ } .

وتلك الشهادة إنما نؤديها للّه ، ومَنْ كات له شهادة عند أحد - وهو كريم - فلا يجرح شاهده ، بل يسعى بما يعود إلى تزكية شهوده .

قوله جلّ ذكره : { فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللّه هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } .

أقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ بحكم الإتمام ، ونعت الاستدامة ، وجميل الاستقامة .

والاعتصامُ باللّه التبري من الحول والقوة والنهوض بعبادة اللّه باللّهللّه يقال الاعتصام باللّه التمسكُ بالكتاب والسنة . ويقال الاعتصامُ باللّه حُسْنُ الاستقامة بدوام الاستعانة .

{ هُوَ مَوْلاَكُمْ } : سيدكم وناصركم والذي لا خلف عنه .

{ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } نِعْمَ المولى : إخبارُ عن عظمته ، ونعم النصير : إخبارُ عن رحمته .

ويقال إن قال لأيوب : { نِعْمَ العَبْدُ }[ ص : ٤٤ ] ولسليمان : { نِعْمَ العَبْدُ }[ ص : ٣٠ ] فلقد قال لنا : { َنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } ، ومدحه لِنفسه أعزُّ وأجلُّ من مدحه لك .

ويقال : { َنِعْمَ المَوْلَى } : بَدَأَكَ بالمحبة قبل أنْ أحببتَه ، وقبل أن عَرَفْتَه أو طَلَبْتَه أو عَبَدته .

{ وَنِعْمَ النَّصِيرُ } : إذا انصرف عنكَ جمع مَنْ لَكَ فلا يدخل القبرَ معك أحدٌ كان ناصِرَك ، ولا عند السؤال أو عند الصراط .

﴿ ٧٨