١٧

الحقُّ - سبحانه - لا يستتر عن رؤيته مُدْرَكٌ ، ولا تخفى عليه- من مخلوقاته - خافية . وإنما الحُجُبُ على أبصارِ الخَلْقَ وبصائرهم؛ فالعادةُ جاريةٌ بأنه لا يخلق لنا الإدراك لِمَا وراء الحَجُبِ . وكذلك إذا حلَّتْ الغفلةُ القلوبَ استولى عليها الذهول ، وانسدَّت بصائرها ، وانتفت فهومها .

وفوقنا حُجُبٌ ظاهرة وباطنة؛ ففي الظاهر السمواتُ حجبٌ تحول بيننا وبين المنازل العالية ، وعلى القلوب أغشية وأغطية كالمُنْية والشهوة ، والإرادات الشاغلة ، والغفلات المتراكمة .

أمَّا المريدون فإذا أَظَلَّتْهُم سحائب الفَتْرَةِ ، وسَكَنَ هيجانُ إرادتِهم فذلك من الطرائق التي عليهم .

وأما الزاهدون فإذا تحرّكَ بهم عِرْقُ الرغبة انْفَلَّتْ قوة زهدهم ، وضَعُفَتْ دعائمُ صَبْرِهم ، فَيَتَرَخَّصُون بالجنوحِ إلى بعض التأويلاتِ ، فتعودُ رغباتهم قليلاً قليلاً ، وتَخْتَلُّ رتبةُ عزوفهم ، وتَنْهَدُّ دعائم زهدهم ، وبداية ذلك من الطرائق التي خَلَقَ فوقهم .

وأما العارفون فربما تِظِلُّهم في بعض أحايينهم وَقفةٌ في تصاعد سرِّهم إلى ساحات الحقائق ، فيصيرون مُوقَفِين ريثما يتفضّلُ الحقُّ - سبحانه - عليهم بكفاية ذلك فيجدون نفاذاً ، ويرفع عنهم ما عاقهم من الطرائق .

وفي جميع هذا فإِنَّ الحقَّ سبحانه غيرُ غافلٍ عن الخلقِ ، ولا تاركٍ للعِباد .

﴿ ١٧