٥٥إنما يضافُ العبدُ إلى ما كان الغالبَ عليه ذِكْرُه بمجامع قلبِه ، فصاحبُ الدنيا مَنْ في أسْرِها ، وأصحابُ الجنة مَنْ هم طُلاّبُها والساعون لها والعاملون لِنَيْلِها؛ قال تعالى مخبراً عن أقوالهم وأحوالهم : { لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ }[ الصافات : ٦١ ] . وهذه الأحوال - وإن جَلَّتْ منهم ولهم - فهي بالإضافة إلى أحوال السادة والأكابر تتقاصر ، قال صلى اللّه عليه وسلم : ( أكثر أهل الجنة البُلْه ) ومَنْ كان في الدنيا عن الدنيا حُرَّاً فلا يبعد أن يكون في الجنة عن الجنة حراً ، واللّه يختص برحمته من يشاء . وقيل إنما يقول هذا الخطاب لأقوام فارغين ، فيقول لهم : { إنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِى شُغُلٍ فَاكِهُونَ } وهم أهل الحضرة والدنو ، لا تشغلهم الجنة عن أُنس القربة ، وراحات الوصلة ، والفراغ للرؤية . ويقال : لو عَلِمُوا عمَّن شُغِلُوا لَمَا تَهنَّأوا بما شُغِلُوا . ويقال بل إنما يقول لأهل الجنة : { إنَّ أًَصْحَابَ الْجَنَّةِ } كأنه يخاطبهم مخاطبة المُعاينة إجلالاً لهم كما يقال : الشيخ يفعل كذا ، ويُرَادُ به : أنت تفعل كذا . ويقال : إنما يقول هذا لأقوام في العرصة أصحاب ذنوب لم يدخلوا النار ، ولم يدخلوا الجنة بَعْدُ لِعِصْيانِهِم؛ فيقول الحق : عبدي . . أهلُ النار لا يتفرغون إليك لأهوالهم ، وما هم فيه من صعوبة أحوالهم ، وأهل الجنة وأصحابها اليومَ في شُغْلٍ عنك لأنهم في لذَّاتهم ، وما وجدوا من أفضالهم مع أهلهم وأشكالهم؛ فليس لك اليوم إلا نحن! وقيل شغلهم تأهبهم لرؤية مولاهم ، وذلك من أتم الأشغال ، وهي أشغالٌ مؤنِسَةٌ مريحةٌ لا مُتْعِبَةٌ موحِشَةٌ . ويقال : الحقُّ لا يتعلَّق به حقُّ ولا باطل؛ فلا تَنَافِيَ بين اشتغالهم بأبدانهم مع أهلهم ، وشهودهم مولاهم ، كما أنهم اليومَ مشغولون مستديمون لمعرفته بأي حالةٍ هم ، ولا يَقْدَحُ اشتغالهم - باستيفاء حُظُوظِهم - في معارفهم . ويقال شَغَلَ نفوسهم بشهواتها حتى يخلص الشهود لأسرارهم على غيبةٍ من إحساس النَّفْس الذي هو أصعب الرُّقباء ، ولا شيء أعلى من رؤية الحبيب مع فَقْدِ الرقيب . |
﴿ ٥٥ ﴾