١٧٦وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:، {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّه يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ}. ذكر الاستفتاء، ولم يذكر: فيم استفتوا؟ لكن في الجواب بيان أن الاستفتاء فيم كان، وقال: {قُلِ اللّه يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ}. والكلالة: ما ذكر: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّه يُفْتِيكُمْ فِي. . .} إلى آخر ما ذكر. قال جابر - رَضِيَ اللّه عَنْهُ -: فِيَّ نزلت الآية. ورُويَ عن عمر - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - أنه قال: ما سألت النبي - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، ثم طعن في صدري بأصبعه، فقال: " ألا يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيفِ التي في آخِرِ سُورَةِ النسَاءِ؟! "، وفيه دلالة أن قد يترك بيان ما يدرك بالاجتهاد والنظر، ولا يبين؛ ليجتهد، ويدرك بالنظر؛ لأن عمر - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - سأل غير مرة رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولم يبينه، وأشار إلى الآية التي فيها ذكر ما سأل عنه؛ لينظر ويجتهد؛ ليدرك. وفيه دليل جواز تأخير البيان؛ لأن عمر - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - سأله غير مرة، ولم يبينه حتى أمره بالنظر في الآية، وعمر - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - لم يكن عرف قبل ذلك؛ فدل على جواز تأخير البيان. وروي عن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - أنه قال: الكلالة: من ليس له ولد ولا والد، وكذلك قال عمر - رضي اللّه عنه - وقال: إِنِّي لأستحي من اللّه أن أرد شيئا قاله أبو بكر. وسئل ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - عن الكلالة؟ فقال: من لا ولد له ولا والد. وروي عن جابر - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - قال: مرضت؛ فأتاني رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يعودني وأبو بكر الصديق معه؛ فوجدني قد أغمى عليَّ؛ فصبَّ وضوءه عليَّ؛ فأفقت؛ فقلت: يا رسول اللّه، كيف أصنع في مالي؟ وكان لي تسع أخوات؛ فلم يجبني حتى نزل قوله - تعالى -: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّه يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ. . .} إلى آخر ما ذكر، قال جابر - رضي اللّه عنه -: فِيَّ نزلت الآية. قال بعض الناس: إذا مات الرجل؛ وترك ابنة وأختًا - فلا شيء للأخت؛ لأن اللّه - تعالى - قال: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} والابنة ولد؛ فلا ميراث للأخت وللأخ مع الابنة؛ لأنها ولد؛ فيقال: إن اللّه - عَزَّ وَجَلَّ - جعل للابنة النصف؛ إذا لم يكن معها ابن؛ بقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ}؛ فإذا مات وترك ابنة وأختًا فللابنة النصف، وذلك النصف الباقي إذا لم يُعْطَ للأخت - يرد إلى الابنة؛ فيكون لها كل الميراث، وقد جعل اللّه - تعالى - ميراثها إذا لم يكن معها ولدٌ ذَكَرٌ - النصف، أو لا يرد إلى الابنة؛ فيجب أن ينظر أيهما أحق بذلك النصف الباقي؛ فجاء في بعض الأخبار: أن الأخوات مع البنات عَصَبَة؛ لذلك كانت الأخت أَوْلَى بذلك النصف الباقي، واللّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} ذكر للاثنتين الثلثين، ولم يذكر ما للثلاث فصاعدًا منهن، وذكر في الابنة الواحدة النصف في أول السورة بقوله: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} ولم يذكر ما للبنتين؛ ولكن ذكر الثلاث فصاعدًا بقوله تعالى: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} فترك بيان الحق في الابنتين؛ لبيانه في الأختين، وترك البيان للأخوات؛ لبيانه في البنات؛ ففيه دليل القياس: حيث اكتفى ببيان البعض عن الآخر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} دل قوله تعالى: {إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً} أن اسم الإخوة يجميع الإناث والذكور جميعًا؛ لأنه ذكر إخوة، ثم فسر الرجال والنساء؛ فهو دليل لنا في قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} وإنهم يحجبون الأم عن الثلث، ذكورًا كانوا أو إناثًا، واللّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {يُبَيِّنُ اللّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} قيل: ألا تضلوا. قال الكسائي: العرب تقول للرجل: أطعمتك أن تجوع، وأغنيتك أن تفتقر؛ على معنى ألا تجوع ولا تفتقر، وفي القرآن كثير مثل هذا. ثم قوله: {يُبَيِّنُ اللّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} قيل: ألا تضلوا في قسمة المواريث. وقيل: ألا تخطئوا. وقيل: ألا تخلطوا، وهو واحد. {وَاللّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. وعيد، وباللّه الحول والقوة، واللّه المستعان. * * * |
﴿ ١٧٦ ﴾