٢٨

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ... (٢٨)

قال بعض الناس: إن الواجب علينا أن نفعل مثل فعل أُولَئِكَ، لا ينبغي لمن أراد أحد قتله أن يقتله، ولكن يمتنع عن ذلك على ما امتنع أحد ابني آدم؛ حيث قال له: {لَأَقْتُلَنَّكَ}، فقال له الآخر: {مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ}، واحتجوا في ذلك

بأخبار رويت: روي عن أبي موسى الأشعري، كان رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: " إِذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيفَيهِمَا قَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَهُمَا فِي النَّارِ فقيل: يا رسول اللّه، أرأيت المقتول؟! فقال: " إِنَهُ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ صَاحِبَهُ ".

وعن سعد بن مالك قال: قال رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَبدًا للّه، وَلَا تقْتُل أَحَدًا مِنْ أَهْلِ القِبلَةِ فَافْعَلْ ".

وعن الحسن - رضي اللّه عنه - قال: قال رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إِنَّ ابْنَي آدَمَ ضَرَبَا لِهَذِهِ الأُمةِ مَثلاً، فَخُذُوا بِالْخَير مِنْهُمَا ".

وعن أبي ذر - رضي اللّه عنه - قال: قال رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " كَيفَ يَا أَبَا ذَرِّ إِذَا كَانَتْ بِالمَدِينَةِ قَتْل بغَيرِ حِجَارَةٍ؟ " قال: قلت: ألبس سلاحي، قال: " شَارَكْتَ الْقَومَ إِذَنْ " قال: قلت: كيف أصنع يا رسول اللّه؟ قال: " إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبهَرَكَ شُعَاعُ السيفِ فَأَلْقِ نَاحِيَةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ، يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ " يحتجون بمثل هذه الأخبار.

وقال آخرون: له أن يقاتل إذا لم يتعظ صاحبه باللّه، وأراد قتله، فهو في سعة من قتل من يريد أن يبتدئه بالقتل؛ استدلالاً بما أمر اللّه - تعالى - بقتال أهل البغي؛ كقوله - تعالى -: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللّه} فصار الحكم في أمتنا ما أمرهم اللّه به من قتال البغاة؛ لأن اللّه - تعالى - قال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}، على أن قتال المشركين كان محظورًا في أول مبعث النبي - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وقبل ذلك بأوقات، وقالوا: فغير منكر أن يكون الوقت الذي ذكره اللّه في هذه الآية كان قتال المشركين وتجريد السيف فيه محظورًا، فأذن اللّه في قتالهم وقتال أهل البغي، فصار الحكم في أمتنا ما أمر اللّه به من قتال البغاة والمشركين، واللّه أعلم.

وأما ما احتجوا به من الأخبار التي رويت من اقتتال المسلمين وأشباهها: فإن ذلك، -

 واللّه أعلم - ما احتجوا به من الأخبار التي رويت في حال الفتن، وقتال الفئتين اللتين لا إمام فيهما يستحق الإمامة؛ لحمية أو أمر جاهلية أو عصبية، فهما على خطأ، فالصواب في مثله ما ذكر من الأخبار.

وأما إذا كان للناس إمام هدى: فقد عقدوا له البيعة، فخرجت عليه خارجة ظالمة، فقتالهم واجب؛ اتباعًا لعلي - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - ومن حارب معه من أصحاب رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على أهْلَ البغي والخوارج، فأما قتال الخوارج: فهو كالإجماع؛ لأن جميع الطوائف قد حاربوهم، ورويت في ذلك آثار كثيرة عن رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ إلى هذا يذهب من رأى قتل من يهم بقتله.

﴿ ٢٨