٥٤

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ. . .} الآية

قوله - تعالى -: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ}: إن قوله: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ} - وإن كان حرف توحيد وتفريد - فإن المراد منه الجماعة؛ ألا ترى أنه قال: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّه بِقَوْمٍ}؟! دل هذا على أن المراد منه الجماعة والعصابة، ولأن الواحد - والاثنين - إذا ارتد عن الإسلام يؤخذ ويحبس ويقتل إن أبي الإسلام، والجماعة إذا ارتدوا عن الإسلام احتيج إلى نصب الحرب والقتال؛ على ما نصب أبو بكر الحرب مع أهل الردة.

وفي الآية دلالة إمامة أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - لأن العرب لما ارتدت عن الإسلام، بعد رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حاربهم؛ فكان هو ومن قام بحربهم ممن أحب اللّه وأحبه اللّه.

وعن الحسن - رَضِيَ اللّه عَنْهُ -: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّه بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قال: هو - واللّه -

أبو بكر وأصحابه، رضي اللّه عنهم أجمعين.

وقوله - تعالى -: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللّه أَجْرًا حَسَنًا}: يدل على إمامة أبي بكر - رضي اللّه عنه - لأنه كان الداعي إلى حرب أهل الردة.

فَإِنْ قِيلَ: يجوز أن يكون النبي - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هو الذي دعاهم - قيل له: قال اللّه - تعالى -: {فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} فمحال أن يدعوهم فيطيعوا، وقد قال اللّه - تعالى -: إنهم لن يخرجوا معه أبدًا.

فَإِنْ قِيلَ: قد يجوز أن يكون عمر - رضي اللّه عنه - هو الذي دعاهم - قيل له: فإن كان، فإمامة عمر - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - ثابتة بدليل الآية، وإذا صحت إمامته صحت إمامة أبي بكر - رضي اللّه عنه - لأنه المختار له والمستخلف.

فَإِنْ قِيلَ: قد يجوز أن يكون علي - رضي اللّه عنه - هو الذي دعاهم إلى محاربة من حارب - قيل له: قال اللّه - تعالى -: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ}، وهذه صفة من يُحَارَبُ من مشركي العرب الذين لا تقبل منهم الجزية، وعلي - رضي اللّه عنه - إنما حارب أهل البغي وهم مسلمون، ولم يحارب أحد بعد النبي أهل الردة غير أبي بكر - رضي اللّه عنه - فكانت الآية دليلا على صحة إمامته.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّه بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}

{فسوْفَ} كقوله: {عَسَى}، والعسى من اللّه واجب. أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه يأتي بقوم يحبهم؛ لبذلهم أنفسهم في مجاهدة أعداء اللّه، وتركهم في اللّه لومة لائم؛ فذلك لحبهم للّه؛ لأنه لا أحد يبذل نفسه للّهلاك، وترك لومة لائم - إلا لمن يحب اللّه، وأحبهم اللّه: لما أثنى عليهم بقوله: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّه وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ}، وحبهم للّه: لما بذلوا أنفسهم في مجاهدة أعدائه، وتركهم لومة لائم.

وفيه دلالة إثبات إمامة أبي بكر - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - أثنى عليهم بخروجهم في سبيل اللّه ومجاهدة أعدائه؛ فلو كان غاصبًا ذلك على عليٍّ - رضي اللّه عنه - أو كان غير محق لذلك - لم يكن اللّه ليثني عليه بذلك؛ لأنه كان آخذًا ما ليس له أخذه

 ومضيعًا حقا لغيره، ومن كان هذا سبيله لم يكن يستوجب كل هذا الثناء من اللّه تعالى؛ فهذا ينقض على الروافض قولهم وما روي: " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَليٌّ مَوْلَاهُ " وغيره من الأخبار، وذلك في الوقت الذي طلب علي - رضي اللّه عنه - الخلافة وحارب عليها؛ لأنه لا يحتمل أن يعلم أن له الخلافة في زمن أبي بكر - رضي اللّه عنه - ويرى الحق لنفسه، ثم يترك طلبها؛ لأنه كان مضيعًا حق اللّه عليه؛ فدل سكوته وترك طلبه على أن الحق ليس له، ولكن كان لأبي بكر - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - واللّه أعلم.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}.

أي: للمؤمنين، أي: ذوو رحمة ورأفة للمؤمنين.

{أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}

أي: شاقة شديدة على الكافرين، وهو ما وصفهم، عَزَّ وَجَلَّ: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} الآية، بذلك وصفهم عَزَّ وَجَلَّ.

وقوله: {ذَلِكَ فَضْلُ اللّه يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} اختلف فيه:

قَالَ بَعْضُهُمْ: ذلك الجهاد في سبيل اللّه، أي: في طاعة اللّه {فَضْلُ اللّه يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ}، وقيل: ذلك الإسلام {فَضْلُ اللّه يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ}.

{وَاللّه وَاسِعٌ عَلِيمٌ}

قد ذكرنا هذا في غير موضع.

﴿ ٥٤