٣٦

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)

ظاهر تأويلها، وقد ذكرنا في غير موضع حتى لم يأخذوا على أحد منهم.

وفي قوله: {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} له على خلقه منن كثيرة ونعم عظيمة، حيث بعث الرسل من جنس المرسل إليهم:

أحدها: أن كل ذي جنس وجوهر يستأنس بجنسه وجوهره، ويستوحش بغيره، فمنَّ عليهم؛ حيث بعث الرسل من جنسهم وجوهرهم، يستأنس بعضهم ببعض ويألف بعضهم بعضًا؛ فذلك آخذ للقلوب وأدعى إلى الاتباع والإجابة.

والثاني: بعث الرسل من قومهم الذين نشئوا بين أظهرهم، وعرفوا صدقهم وأمانتهم؛ ليعلموا أنهم صادقين فيما يدعون من الرسالة؛ حيث لم يظهر منهم الكذب والخيانة قط، حتى لم يأخذوا على أحد منهم الكذب.

والثالث: أن الرسل لو كانوا من غير جنسهم وغير جوهرهم، لم يعرفوا ما أوتوا من الآيات والبراهين أنها آيات وحجج؛ لما لا يعلمون أن وسعهم لا يبلغ هذا، وطوقهم لا يصل إلى ذلك، وإذا كانوا منهم يعرفون ذلك إن أتوا بشيء خرج عن وسعهم أنها آيات.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}.

قال الحسن: ديننا. ويحتمل {بِآيَاتِنَا} حججنا أي: كذبوا بحججنا، فإذا كذبوا بحججه كفروا به؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - لا يعرف من طريق الحس والعيان؛ ولكن إنما يعرف من طريق الحجج والآيات والدلائل؛ فيكون الكفر بآياته وحججه كفرًا به، ويشبه أن تكون آياته آيات الرسالة وحججها.

ويحتمل آياته - هاهنا - رسله، أي: كذبوا برسلنا، سمى رسله آياته؛ لأن أنفس الرسل كانت آيات للخلق تدلهم على وحدانية اللّه، ورسالتهم من أعلام جعلت من أنفسهم من صدقهم وأماناتهم.

{وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا}.

أي: استكبروا عن التدبر فيها والنظر.

 {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ}.

لأنهم يصحبون النار والسبب الذي يوجب لهم النار أبدًا؛ فسموا أصحاب النار بذلك؛ كما يقال: صاحب الدار وصاحب الدابة؛ لأنه هو يصحبها دائمًا؛ فعلى ذلك هَؤُلَاءِ سموا أصحاب النار؛ لما هم يصحبونها دائِمًا أبدًا، واللّه أعلم.

* * *

﴿ ٣٦