٣٧

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّه كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ}.

قد ذكرنا فيما تقدم أن قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ}: إنما هو حرف استفهام وسؤال لم يخرج له جواب، لكن أهل التأويل عرفوا ذلك، فقالوا: لا أحد أظلم ممن افترى على اللّه كذبا، أجابوا على ما عرفوا من السؤال؛ وإلا ليس قولهم: لا أحد أظلم، نفس قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ}، أي: لا أحد أفحش ظلمًا ولا أقبح ظلمًا ممن افترى على اللّه كذبا، مع علمه أنه خالقه، وأنه متقلب في نعمه، وأحاطت به أياديه وإحسانه.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَمَنْ أَظْلَمُ}: أي لا أحد، أفحش ظلما ولا أقبح ظلمًا ممن افترى على اللّه كذبًا.

وقوله: {افْتَرَى عَلَى اللّه كَذِبًا}، قيل: الافتراء هو اختراع الكذب من نفسه من غير أن سبق له أحد في ذلك؛ كقوله: {يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ}، وأما الكذب، فقد يكون مما أنشأ هو أو مما قد سبق له أحد فسمع منه ثم افتراه على اللّه فهو أنواع:

يكون بما قالوا: إن له ولدًا، وقالوا: إن له شريكًا وصاحبة، وبما عبدوا غير اللّه

وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّه زُلْفَى} و {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه} ويكون ما قالوا، {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللّه أَمَرَنَا بِهَا} ويكون بما حرموا من أشياء على أنفسهم فأضافوا ذلك إلى اللّه، ونحو ذلك من الافتراء.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ}.

اختلف فيه: قال الحسن: إن من أطاع اللّه في أمره ونهيه، وأطاع رسله، فقد كتبت له الجنة خالدًا فيها أبدًا، فذلك نصيبه وحظه من الكتاب الذي كتب له، ومن عصى

اللّه وخالف رسله، كتبت له النار خالدا فيها أبدًا، فهو نصيبه من الكتاب.

وقال أبو بكر الكيساني:

في قوله: {أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ}، أي: حظهم من الخير والعقاب في الآخرة، وهو قول الْقُتَبِيّ ويحتمل وجهين آخرين غير هذين:

أحدهما: ما حرفوا من الكتب وغيروها، ثم أضافوا ذلك ونسبوه إلى اللّه؛ كقوله: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّه} وقوله - عز وجل -: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّه وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّه}، فصار ما حرفوا هم وغيروه سنة فيهم يعملون بها إلى يوم القيامة، فينالون هم جزاء ذلك يوم القيامة. والثاني: قوله: {يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ} مما كتب لهم من الرزق والنعمة، يستوفون ذلك المكتوب لهم، ثم يموتون.

ثم قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ}.

على هذا التأويل جاءتهم الرسل بقبض أرواحهم، وهو ظاهر.

 وعلى تأويل من حمل ذلك على الجزاء في الآخرة: فهو يجعل المتوفَى في النار؛ لشدة العذاب، وإن كانوا لا يموتون، وهو كقوله: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}، أي تأتيه أسباب الموت.

وعلى تأويل من يجعل قوله: {أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ}: في الدنيا في استيفاء الرزق وما كتب لهم؛ يكون قوله: {حَتَّى} على الإثبات وعلى تأويل من يقول بأن ذلك في الآخرة فيجيء أن يكون على الصلة والإسقاط.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّه}.

تقول لهم الملائكة في النار على تأويل هَؤُلَاءِ وعلى تأويل أُولَئِكَ: عند قبض أرواحهم، أو بعد قبض أرواحهم.

وقوله: {أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّه}، أي: تعبدون من دون اللّه، وتقولون: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه}، وقولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّه زُلْفَى} أو الأكابر التي ذكر بقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا}، أين أُولَئِكَ الذين كنتم تعبدون من دون اللّه؟!

{قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا}.

وهلكوا، أي: بطل عبادتنا التي عبدناهم؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ}، أي: هلكنا وبطلنا.

{وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}.

فإن كان قوله: {أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّه}: الكبراء منهم والرؤساء يكون قوله: {ضَلُّوا عَنَّا}، أي: شغلوا بأمرهم عنا، وإن كان الأصنام يكون قوله: {ضَلُّوا عَنَّا} أي: بطل ما كنا نطمع من عبادتنا إياهم، وهو قولهم: {شُفَعَاؤُنَا عَندَ اللّه}.

﴿ ٣٧