٤٤

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ ... (٤٤)

ما وعد المؤمنين - عَزَّ وَجَلَّ - الجنة وما فيها من النعيم واللذات والشهوات، بقوله: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ}،

وقوله: {لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ}: هذا الذي وعد للمؤمنين، ووعد الكفار النار، وما فيها من الشدائد وأنواع العذاب، فأقروا أنهم قد وجدوا ما وعدهم ربهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا}: إن المراد بالحق الذي ذكر: الوعد الذي وعدهم وتفسير الحق الصدق، وإن كان الموعود فتأويله: وجدتموه كائنا حاضرا، وهو ما ذكرنا في قوله: {وَلِيَعْلَمَ اللّه الَّذِينَ آمَنُوا}.

{فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللّه عَلَى الظَّالِمِينَ}.

أي: وجبت لعنة اللّه على الظالمين الذين وعدوا في الدنيا.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} يحتمل الملك، ويحتمل غيره، وليس يعرف ذلك إلا بالخبر، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

فَإِنْ قِيلَ: يذكر في الآية نداء أهل الجنة أهل النار، وأهل النار أهل الجنة، ونداء

 بعضهم بعضًا لا يكون إلا بحيث يكون بعضهم قريبًا من بعض، وقد جاء في الأخبار من وصف الجنة وسعتها ما روي أن أقل ما يكون لواحد من الجنة مثل عرض الدنيا، وما ذكر أن الحور العين لو نظرت نظرة إلى الدنيا لامتلأت الدنيا من ضوئها ونورها، وكذلك من ريحها وعطرها، وقد جاء في وصف النار أن شرارة منها لو وقعت في - الدنيا لأحرقتها أو كلام نحو هذا؛ فإذا كان بعضهم من بعض بحيث يسمعون بعضهم نداء بعض، ألا يتأذى أهل الجنة بالنار، وألا ينتفع أهل النار بنعيم الجنة، وكيف يعرف ذلك؟ قيل - واللّه أعلم وذلك أن اللّه قادر -: أن يوقع نداء هَؤُلَاءِ بمسامع أُولَئِكَ ونداء أُولَئِكَ بمسامع هَؤُلَاءِ، مع بعد ما بينهما؛ فيسمع كل فريق نداء الفريق الآخر.

أو أن يكون اللّه - تعالى - ينقض بنية هذا الخلق، وينشئهم في الآخرة على غير هذه البنية، مع ارتفاع الآفاق أوالحجب فيسمع بعضهم من بعض من بعد الذي ذكر، وينظر بعضهم بعضا لأن في الدنيا الآفات، والحجب هي التي تمنع ذلك، فإذا ارتفع ذلك كان ما ذكر، واللّه أعلم.

أو يقرب الجنة من النار والنار من الجنة؛ بحيث يسمع بعضهم من بعض ما ذكر من النداء.

أو يجعل ذلك في مسامعهم بما شاء وكيف شاء؛ كتسبيح الجبال وخطاب النمل وجوابه.

﴿ ٤٤