٤٦

قوله - عَزَّ وَجَلَّ - {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ}.

يشبه أن يكون ما ذكر من الحجاب ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} فأمكن أن يكون الحجاب المذكور بينهما هو السور الذي ذكر، واللّه أعلم.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ}.

قَالَ بَعْضُهُمْ: هم قوم استوت حسناتهم بسيئاتهم، لم يبشروا بالجنة حتى لا

يخافوا عقوبته، ولا أيسوا حتى لا يطمعوا ولا يرجوا دخولهم فيها.

وقال آخرون: هم أهل كرامة اللّه، أكرمهم بذلك، يرفعهم على ذلك السور لينظروا إلى حكم اللّه في الخلق وعدله فيهم، وينظرون إلى إحسان اللّه فيمن يحسن إليه، وعدله فيمن يعاقبهم.

وقيل: هم الأنبياء.

والأشبه أن الأنبياء يكونون على الأعراف يشهدون على الأمم؛ كقوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} وقال قائلون: هم الملائكة، لكن ملائكة اللّه ما يسمون رجالًا، ولم نسمع بذلك، واللّه أعلم بذلك.

ثم اختلف فيه: قيل: سموا أصحاب الأعراف، وهو سور بين الجنة والنار سمي بذلك؛ لارتفاعه، وكل مرتفع عند العرب أعراف، وهو قول الْقُتَبِيّ.

وقال غيره: الأعراف: هو عرف كعرف الديك والفرس، وهو أيضًا من الارتفاع.

وقال الحسن: هم أصحاب التعريف، يعرفون أهل النار عدل اللّه فيهم وحكمه، وأن ما حل بهم من الشدائد وأنواع العذاب إنما حل بهم مما كان منهم في الدنيا من صدهم الناس عن سبيل اللّه، واستكبارهم على الرسل، يعرفونهم أن ما نزل بهم إنما نزل بعدل منه، ويعرفون أهل الجنة فضل اللّه وإحسانه إليهم أن ما نالوا هم إنما نالوا بفضل منه

وإحسان.

أو قوم نصبهم اللّه لمحاجة أهل النار؛ كصقوله: {مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} فهذه هي المحاجة التي يحاجون بهها أهل النار.

أو أن يقال: هم قوم نصبوا يترجمون بين أهل الجنة وأهل النار، يؤدون كلام بعضهم إلى بعض، وينهون مخاطبات بعض إلى بعض، من ذلك قوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ}،

وقوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ}، ونحوه. واللّه أعلم من هم؟

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ}،

قيل: المؤمن يعرف ببياض وجهه، والكافر: بسواد وجهه.

ويحتمل ما قال الحسن: هو أن يعرفوا بالمنازل والأماكن.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ}.

يعني: نادى أصحابُ الأعراف أصحاب الجنة.

{أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ}.

ليس أن يقولوا سلام عليكم باللسان خاصة؛ ولكن في كل كلام سديد وقول حسن وصواب؛ كقوله: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا}، أي: سديدا صوابًا، وكذلك قوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}، ليس على أن يقولوا: سلام عليكم، ولكن يقولون لههم قولا صوابًا محكمًا؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله عَزَّ وَجَلَّ -: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}.

اختلف فيه: قال عامّة أهل التأويل: هم أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة

 وهم يطمعون دخولها.

وقيل: هم كفار أهل النار يطمعون أن ينالوا منها؛ كقوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّه قَالُوا إِنَّ اللّه حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ}، إلى هذا الوقت كانوا يطمعون دخولها والنيل منها، ثمّ أيسوا بهذا.

وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم أهل الجنة يطمعون دخولها قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة، وقبل أن يدخل أهل النار النار.

﴿ ٤٦