١١

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} ذكر النعاس بعد شدة خوفهم، والنعاس لا يكون ممن اشتد به الخوف ويغشيه إلا بعد الأمن، فذكر لطفه ومنته الأمن بعد شدة الخوف، ذكر عظيم ما منَّ عليهم من الأمن لما ذكر من إلقاء النعاس عليهم والنعاس إنما يكون بعد الأمن، بعد ما كان من حالهم ما ذكر حيث قال: {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ}.

وقوله: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} ذكر في بعض القصة أن المشركين سبقوا فأخذوا الماء؛ فبقي المسلمون في رمل لا تثبت أقدامهم عطشى، فوسوس إليهم الشيطان أنهم لو كانوا على حق ما بلوا يمثل ذلك في رمل لا تثبت أقدامهم عطشى؛ فأبدل اللّه مكان الخوف أمنًا يأمنون به، وأنزل عليهم من السماء ماء ليطهرهم به ويشربون ويشدد به الرمل وتثبت أقدامهم، فذلك قوله: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} قال أهل التأويل: الرجز: وسوسة الشيطان التي وسوس إليهم.

وقيل: الرجز: الإثم؛ أذهب ذلك عنهم؛ كقوله: {رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا}.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} ذكر هذا - واللّه أعلم - على المبالغة في المنة أنه أخبر أنه أنزل من السماء ماء فضل عن حوائجهم حتى وجدوا ماء لتطهير أنفسهم وأبدانهم، وأذهب عنهم رجز الشيطان؛ ذكر السبب الذي به يذهب الرجز؛ لأن الرجز هو العذاب، فذكر الرجز والمراد منه سبب الرجز.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}.

يحتمل: حقيقة تثبيت الأقدام.

ويحتمل: الثبات على ما هم عليه.

والربط: هو الشد لشيء، فيحتمل قوله: {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ} أي شدها حتى لا

يزول أحدهم عما هو فيه، ولا يزيغ عن ذلك، وإن ابتلاه اللّه - تعالى - بأنواع الشدائد والبلايا؛ ذكر في التوحيد والإيمان الربط والتثبيت بقوله: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ}

وقوله: {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ}،

وقوله: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وذكر في الشرك والكفر الطبع والختم والقفل ونحوه؛ فهو - واللّه أعلم - عقوبة لهم لما اختاروا ذلك.

وقوله: {وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ}.

قيل: وسوسة الشيطان، وهو ما ذكر في بعض القصة أن المسلمين أصابهم ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم القنوط، ويوسوسهم، ويقول لهم: تزعمون أنكم أولياء اللّه وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين، فأمطر اللّه عليهم مطرًا شديدًا، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب عنهم رجز الشيطان، ونشف الرمل حين أصابه المطر، فمشى الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم، وأمدَّ

 اللّه - عَزَّ وَجَلَّ - نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة، فذلك قوله: {بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}.

﴿ ١١