٢٥وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّه فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ}. أي: نصركم في مواضع كثيرة كان فزعكم إلى اللّه - تعالى - ونصركم يوم حنين - أيضًا - بعد ما هزمكم العدو بإعجابكم بالكثرة فصرفكم الفزع إلى اللّه، ونصركم - أيضًا - يوم حنين. {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا}. يعني: الكثرة. يذكرهم - عَزَّ وَجَلَّ - منته عليهم وفضله أن النصر والظفر متى كان إنما كان باللّه، لا بكثرتهم وقوتهم؛ لأنه لو كان على الكثرة لوكلوا إليها. فَإِنْ قِيلَ: قد أمرنا بأخذ العدة والقوة ما استطعنا بقوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ. . .} الآية، فإنما أمرنا بما يعجبنا، فما معنى النهي عن الإعجاب بالكثرة والقوة؟ وكذلك نهانا عن التأسي على ما فاتنا، ونهانا أن نفرح بما يؤتينا، وقد كلفنا الشكر لما آتانا، والصبر على ما فات منا، فلو لم نفرح بما آتانا لم يلزمنا الشكر، ولا الصبر بما فاتنا، فما معناه؟ معناه - واللّه أعلم - أنه نهانا أن نفرح بما يؤتينا لنفس الإيتاء، ونتأسى لنفس ما يصيبنا ويفوتنا، إنما علينا أن نفرح بفضل اللّه ومنته الذي من علينا وخصنا به، وعلى ذلك نشكره، وعلى ذلك الصبر بما يصيبنا ويفوتنا؛ لما جعل لنا لذلك ثوابًا في الآخرة وأجرًا عظيمًا، وكذلك الكثرة، أمرنا بها، فإذا آتانا ذلك يعجبنا فضل اللّه ومنته في تلك الكثرة، لا الكثرة لنفسها والقوة، واللّه أعلم. فَإِنْ قِيلَ: الإعجاب بالكثرة كان من بعضهم، لا من الكل، فكيف هزم الكل؟ وكذلك العصيان يوم حنين إنما كان من بعض، كيف عاقب الجميع؟ قيل: لأن له أن يتلف الكل ابتداء. ألا ترى في أمر الواحد القيام لاثنين ثم في الأمر بالجهاد أمرًا على غير وسع، ولا كذلك في سائر العبادات؛ لأنه أمر الواحد القيام لاثنين منهم، وليس في وسع أحد القيام لاثنين، فهو - واللّه أعلم - لما أن له أن يكلف قتل أنفسهم وإتلافها. ألا ترى أنه قال: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ. . .} الآية، ولو لم يجز له أن يكتب قتل أنفسهم لم يكن ليذكره، دل أن ذلك له، وأن له أن يميتهم ويهلكهم؛ فعلى ذلك له أن يأمر بقتل أنفسهم، فإذا كان له ذلك؛ إذ في وسعهم قتل أنفسهم؛ فعلى ذلك له أن يكلف الواحد القيام لاثنين ولعدد، وإن كان في ذلك تلف أنفسهم. وكذلك أمرنا بمجاهدة الشيطان عدونا، وأخبر أنه يرانا ولا نراه نحن بقوله: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ}، والمحاربة مع عدو لا نراه وهو يرانا أمر صعب شديد، لكن اللّه علمنا أسباب ما نحارب معه ونجاهد فنغلبه، وقال في الشيطان: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّه}، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا} الآية، علمنا أسبابًا نقاتل بها الشيطان فنغلبه ونقهره، وهي ما ذكر من ذكره لا يقوم هو لذلك، وكذلك قال في العدو الذي نراه من البشر؛ حيث قال: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّه كَثِيرًا}، وقال: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّه مَعَ الصَّابِرِينَ}، قد علمنا أسباب الجهاد معه، وأعلمنا الحيل التي تجوز لواحد القيام لاثنين فصاعدًا بالحيل، وإذا لم يكن له الوسع به بالقوة نفسها. ثم الفرق بين الجهاد وغيره من العبادات؛ لما يحتمل أن جعل اللّه الجهاد آية من آيات الحق والرسالة؛ ليعلم الخلائق أن النصر والظفر كان باللّه، لا بغيره؛ ليظهر الحق من الباطل، والمحق من المبطل، واللّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}. هذا على التمثيل؛ يقال عند شدة الحزن والغضب وعند بلوغها الغاية والنهاية: ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، يقال ذلك، لسعة الأرض في أوهام الخلق. |
﴿ ٢٥ ﴾