٤٧

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّه عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)

قوله: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ}، أي: لو كانوا خرجوا فيكم؛ ألا ترى أنه قال: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللّه انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ}؛ دل هذا أنهم لم يكونوا خرجوا، ولو كانوا خرجوا لم يكن يثبطهم، دل أنه ما ذكرنا.

والانبعاث: هو الخروج، وكذلك في حرف ابن مسعود: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللّه انْبِعَاثَهُمْ}.

والتثبيط: الحبس، وأصل التثبيط: التثقيل.

وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الانبعاث: هو القيام، والخبال: قيل: الفساد والشر.

وقيل: الغي، وهو واحد.

وقوله: {مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا}، يحتمل زيادة الخبال وجوهًا:

يحتمل: أن يكونوا عيونًا للعدو، ويخبروهم عن عورات المسلمين، أو كانوا يجبنون أهل الإسلام؛ كقولهم: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ}، ونحوه.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} قيل: هو من إيضاع الإبل {خِلَالَكُمْ} يتخلل فيما بينكم.

وقيل: {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ}.

أي: رواحلهم حتى يدخلوا بينكم حتى لا يصيبهم الأذى، كانوا يستترون بالمسلمين؛ لئلا يصيبهم شيء من البلاء والشدة.

وقَالَ الْقُتَبِيُّ: {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ}: من الوضع، وهو سرعة السير.

وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: هو من الإيضاع يكون على الإبل.

وهو عندي من عدو الإبل، يقال: أوضعت البعير، وركضت الفرس، وأجريت الحمار.

{خِلَالَكُمْ}: بينكم.

وقيل: الخلال: القتال، وهو ما ذكرنا أنهم يدخلون فيهم النقصان والقتال والفشل.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ}.

قيل: يبغون منكم الفتنة، وهو الشرك الذي كانوا هم عليه.

ويحتمل ما ذكرنا من القتل، وإدخال الفشل والجبن فيهم، واللّه أعلم.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}.

هذا يحتمل وجهين أيضًا:

يحتمل: أن هَؤُلَاءِ المنافقين يكونون سماعًا لهم وخبرًا وعيونًا، يخبرونهم عن عورات المسلمين وضعفهم.

ويحتمل قوله: {وَفِيكُمْ}: من المؤمنين.

{سَمَّاعُونَ لَهُمْ}؛ لأنه قيل: إنه كان من أصحاب النبي أهل محبة لهم وطاعة؛ لشرفهم فيهم.

وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - قال: {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}: كان الرجل يرى الجماعة من المسلمين فيضرب دابته حتى يدخل بينهم، ثم يقول: أبلغكم ما بلغني؛ إن العدو أمامكم قد غوروا المياه، وفعلوا كذا، وهيئوا.

ويحتمل قوله: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} أي: فيكم من المنافقين الذين قعدوا ولم يخرجوا يسمعون المؤمنين الذين لم يخرجوا -أيضًا- ما يكرهونه يقولون: الدبرة على المؤمنين، ونحو ذلك من الهزيمة.

وقوله: {وَاللّه عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}.

أي: لا عن جهل أمهلهم على ما هم عليه، ولكن أخرهم ليوم؛ كقوله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللّه غَافِلًا. . .} الآية.

﴿ ٤٧