٢٧وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧) قيل: أشراف قومه وأئمتهم. {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا}: وكذلك قال عامة القوم لرسلهم الذين بعثوا إليهم: {مَآ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} أي: كان هذا احتجاجهم في رد الرسالات يحتجون على الرسل فيقولون - واللّه أعلم -: إن الرسل في الشاهد إنما يجيئون من عند المرسل، وأنتم نشأتم بين أظهرنا لم تأتونا من عند أحد في الظاهر، والرسول هو الذي يأتي من عند غير، ويكون للرسول خصوصية عند المرسل، ولا نرى لك خصوصية لا في الخلقة ولا في القدرة والمال وغيره، فكيف بعثتم إلينا رسلا دون أن نبعث نحن إليكم رسلا؛ إذ أنتم ونحن في الخلقة سواء وفي الأمور الظاهرة سواء؟! أو نحوه من الكلام، احتجوا على رسلهم في رد الرسالة؛ وكذلك كان عادة الكفرة يقولون للرسل إذا لزمتهم الحجة وأقيم عليهم نسبوها إلى السحر، ونسبوا الرسل أنهم بشر مثلهم. نجواب هذا كله ما ذكر: {إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّه يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}، وما قال لهم نوح: {يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} أي: آتاني رحمة من عنده، وجعل لي بينة وبرهانا على ما آتاني رحمة من عنده بمثل هذا يحتج عليهم. ويقال أيضًا: إنكم لا تنكرون فضل اللّه وتخصيص بعض على بعض بما جعلكم أئمة ورؤساء بأمور الدنيا على غيرهم، فكيف تنكرون فضل اللّه وتخصيص بعض على بعض بفضل الدِّين والرسالة؟!. وقوله: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ}: احتجوا أيضًا في رد الرسالة يقولون: إن الأراذل هم أتباع لكل من دعاهم وأهل طاعة لكل متبوع، فليس في اتباع الأراذل إياك والضعفاء دلالة ثبوت رسالتك؛ إذ هم يتبعون بلا دليل ولا حجة وهم فروع وأتباع لغير، ولم يتبعك أحد من الأصول. لكن يقال: إن هَؤُلَاءِ الأراذل لما اتبعوا الرسول ولم يتبعوا الأئمة والرؤساء الذين معهم الأموال والدنيا، ولم يكن في أيدي الرسل ذلك، ثم تركوا اتباع أُولَئِكَ وفي أيديهم ما يدعوهم إليه واتبعوا الرسل دل أنهم إنما اتبعوا الرسل بالحجج والبراهين التي أقاموها عليهم أو نحوه. والأراذل: قيل: هم السفهاء والضعفاء. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: أراذلنا: شرارنا. و {بَادِيَ الرَّأْيِ} قَالَ بَعْضُهُمْ: ظاهر الرأي؛، من قولك: بدا لي ما كان خفيا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: بادي الرأي: خفيف الرأي لا يعرفون حقائق الأمور، إنما يعرفون ظواهرها، كأنهم يقولون: إنما اتبعك من كان خفيف الرأي وباديه، لم يتبعك من يعرف حقائق الأمور والأصول. وقد قرئ: {بَادِيَ الرَّأْيِ} بالهمز، وقد قرئ بغير همز. ومن قرأ بالهمز فهو من الابتداء، أي: في أول الرأي وابتدائه لا ينظر في عواقب الأمور. ومن قرأ بغير همز فهو من الظهور، أي: ظاهر الرأي على غير تفكر ونظر فيه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ. . .} الآية: يحتمل هذا أي: فضلا في الخلقة، أو في ملك أو مال ولا في شيء، لكن جواب هذا ما سبق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ}: هكذا كانت عادة الكفرة، يردون دلالات الرسل والحجج بالظن لم يردوا لحقيقة ظهرت. |
﴿ ٢٧ ﴾