٣٤

وقوله: (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللّه يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) تأويله - واللّه أعلم - لا ينفعكم دعائي إلى ما به نجاتكم إن كان اللّه يريد أن يغويكم ثم اختلف في وقت ذلك:

قَالَ بَعْضُهُمْ: لا ينفعكم نصحي عند إقبال العذاب عليكم؛ إن كان في حكم اللّه ألا تكونوا من الغاوين في ذلك الوقت.

وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي} {إِنْ كَانَ اللّه يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ}، أي: لا ينفعكم نصحي إن كان اللّه يريد أن يعذبكم في نار جهنم ويقول الغي العذاب؛ كقوله: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}، أي: عذاب جهنم ونحوه من الكلام.

وأما عندنا فهو على ما أخبر: إن كان اللّه يريد إغواء قوم أبدا فهم في الغواية أبدًا، وأصله أن اللّه أراد غواية من في علمه أنه يختار الغواية وأراد ضلال كل من في علمه أنه يختار الضلال؛ لأن من في علمه أنه يختار الغواية، والضلال اختار عداوته، ولا يجوز

 أن يريد هو هداية من يعلم أنه يختار عداوته؛ لأن ذلك يكون من الضعف أن يختار المرء ولاية من يختار هو عداوته، فدل أنه لم يرد الهداية لمن علم منه اختيار الغواية والضلال.

ثم إضافة الإغواء والإزاغة والإضلال إلى اللّه يخرج على وجهين:

أحدهما: أنه ينشئ ذلك الفعل منهم غيا وزيغًا وضلالا لا بد؛ لأن فعلهم فعل غواية وزيغ.

والثاني: أنه خذلهم ولم يوفقهم ولم يرشدهم ولم يعصمهم ولا سددهم، فمن ذلك الوجه ليس فعله فعل الذم عليه حتى يتحرج بالإضافة إليه، ومن الإضافة إلى الخلق يكون على الذم؛ لأن فعلهم نفسه فعل غواية وضلال، فاستوجبوا الذم عليه بذلك، والإغواء من الخلق هو الدعاء إلى ذلك أو الأمر به، فهو مذموم يذمون على ذلك وليس من اللّه تعالى من هذا الوجه، ولكن على الوجهين اللذين ذكرناهما.

وفي قوله: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللّه يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} دلالة تعليق الشرط على الشرط.

﴿ ٣٤