٤٠وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ}. قوله: {جَاءَ أَمْرُنَا} أي: جاء وقت أمرنا بالعذاب الذي استعجلوه؛ كقولهم: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}؛ وكذلك كانت عادة الأمم السالفة استعجال العذاب من رسلهم، وسمي العذاب أمر اللّه؛ لما لا صنع لأحد فيه، وكذلك المرض سمي أمر اللّه؛ لما لا صنع لأحد من الخلائق فيه، وسمى الصلاة أمر اللّه؛ لما بأمره يصلي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَفَارَ التَّنُّورُ}: قال أَبُو عَوْسَجَةَ: {وَفَارَ التَّنُّورُ} يقال: فار الماء أي خرج يفور فورًا، أي: غلى كما تغلي القدر وتصديقه قوله: (وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ. . .)، قالوا: فار أي: خرج وظهر. والتنور: اختلف فيه؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: التنور هو وجه الأرض، قالوا: إذا رأيت الماء خرج ونبع وظهر على وجه الأرض فاركب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: التنور هو التنور الخابزة التي يخبز فيها، قالوا: إذا رأيت الماء نبع من تنورك فاركب، قالوا: كان الماء ينزل من السماء وينبع من الأرض؛ كقوله: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا)، لكن جعل علامة وقت ركوبه السفينة هو خروج الماء من الأرض ونبعه منها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}: يحتمل هذا وجهين: يحتمل إن كنا قلنا له إذا فار التنور: احمل فيها من كل زوجين اثنين. ويحتمل: إن قلنا له وقت فور الماء من التنور: احمل فيها من كل زوجين اثنين. ويحتمل وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}: الزوج هو اسم فرد لذي شفع ليس هو اسم افمفع حتى يقال عند الاجتماع ذلك، ولكن ما ذكرنا أنه اسم فرد لذي شفع كان الإناث صنفا وزوجا والذكور صنفًا وزوجا، فيكون الذكر والأنثى زوجين، واللّه أعلم. وقوله: {زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} أي: من ذكر وأنثى ثم يحتمل زوجين من ذوي الأرواح التي تكون لهم النسل؛ لئلا ينقطع نسلهم. ويحتمل ذوي الأرواح وغيره، واللّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ}: قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: {وَأَهْلَكَ} أراد أهله والذين آمنوا معه، يقول: احمل فيها من كل زوجين اثنين، واحمل أهلك أيضًا إلا من قد سبق عليه القول، أي: إلا من كان في علم اللّه أنه لا يؤمن، أو إلا من كان في علم اللّه أنه يهلك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: {وَأَهْلَكَ} أراد أهله خاصة، ثم استثنى من سبق عليه القول، وهو ابنه وزوجته وهما من أهله، ألا ترى أنه ذكر من بعد من آمن معه وهو قوله: {وَمَن آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ} أي: احمل أهلك الذين آمنوا معك إلا من سبق عليه القول من أهلك وغيره أنه في الهالكين. أو يقول: إلا من سبق عليه القول أنه لا يؤمن، فهذا يدل أن في أهله من كان ظالمًا كافرا حيث استثني من أهله، واللّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}: يذكر هذا - واللّه أعلم - تذكيرًا لرسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مننه ونعمه التي أنعمها عليه؛ لأن نوحًا مع طول مكثه بين أظهر قومه وكثرة دعائه قومه إلى دين اللّه ومواعظه لم يؤمن من قومه إلا القليل منهم؛ ورسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مع قلة مكثه وقصر عمره آمن من قومه الكثير يعرفه نعمه عليه، وفيه دلالة رد قول من يقول: إن المواعظ إنما تنفع، الموعوظ على قدر استعمال الواعظ، وليس هكذا ولكن على قدر قبول الموعوظ إياها وقدر الإقبال إليها؛ لأن نوحًا - عليه السلام - كان أشد الناس استعمالا للمواعظ وأكثرهم دعاء، ثم لم يؤمن من قومه إلا القليل؛ دل أنه ليس لما فهموا، ولكن لما ذكرنا. وأما ما ذكر أهل التأويل أنه حمل في السفينة حبات العنب، فأخذه إبليس فلم يعطه إلا أن أعطى له الشركة، فذلك شيء لا علم لنا به، فإن ثبت ذلك فيكون فيه دلالة أن ليس له في سائر الأنبذة والأشربة نصيب، إنما يكون له فيما يخرج من العنب، وتقدير الثلث والثلثين إنما يكون في عصير العنب خاصة ليس في غيره، واللّه أعلم. |
﴿ ٤٠ ﴾