٤٦

فقال: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ (٤٦) الذي وعدت النجاة لهم، أو ليس من أهلك؛ لأنه لم يؤمن بي ولم يصدقك فيما أخبرت أنه عمل غير صالح.

روي عن رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يقرأ: {عَمِلَ غَيرَ صالِحٍ} بغير تنوين. وعن

ابن مسعود - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - أنه قرأه: {عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} بالتنوين. فمن قرأ بالنصب: {عَمِلَ غيرَ صَالِحٍ} أي: أن ابنك عمل غير صالح، ومن قرأه: {عَمَلٌ} يكون معناه - واللّه أعلم - أن سؤالك عمل غير صالح وكلا القراءتين يجوز أن يصرف إلى ابنه، أي: أنه عمل غير صالح وهو عمل الكفر، {عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} أي: الذي كان عليه عمل غير صالح، واللّه أعلم.

وقوله: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} ثم قال: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}: هذا في الظاهر يخرج على التكذيب له، لكن الوجه فيه أنه من أهلك على ما عندك، وليس هو من أهلك فيما بشرتك من نجاة أهلك.

وقوله: {وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ}: يحتمل وجهين:

يحتمل وأن وعدك بإغراق الظلمة حق.

والثاني: وإن وعدك بنجاة المؤمنين حق وأنت أحكم الحاكمين.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}: يحتمل هذا نهيا عن سؤال ما لم يؤذن له من بعد؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا لا يسألون شيئًا إلا بعد الإذن لهم في السؤال، وإن كان يسع لهم السؤال، أو أن يكون عتابًا لما سبق، والأنبياء - عليهم السلام - كانوا يعاتبون في أشياء يحل لهم ذلك؛ نحو قوله لرسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: {عَفَا اللّه عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا}، وقد كان له - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الأمر بالقعود والنهي عن الخروج بقوله: {فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا}، ونحوه.

 وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}: هو كما نهى رسول اللّه: {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} وأمثاله، وإن كان معلوما أنه لا يكون من الجاهلين، وهو ما ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي عن الشيء، بل بالنهي تظهر العصمة.

﴿ ٤٦