٥٨

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨)

قوله: {جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا} أمر تكوين لا أمر يقتضي الساعة؛ كقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}؛ فعلى ذلك هذا هو أمر تكوين وقد ذكرناه.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا}: هذا يدل أن من نجا إنما نجا برحمة منه لا بعمله؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة اللّه، قيل: ولا أنت يا رسول اللّه؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته "، لا على ما يقوله المعتزلة: إن من نجا إنما ينجو بعمله لا برحمته.

ثم يحتمل قوله: {بِرَحْمَةٍ مِنَّا} وجوهًا؛ تحتمل الرحمة هاهنا هودا، أي: رحمهم به حيث بعث إليهم رسولا فنجا من اتبعه، فإن كان هذا ففيه أن أهل الفترة معاقبون في حال فترتهم؛ لأنه أخبر أن من نجا إنما نجا بهود، فدل أنهم معاقبون قبل بعث الرسل إليهم.

ويحتمل قوله: {بِرَحْمَةٍ مِنَّا} أي: بتوفيق منا إياهم نجا من نجا منهم.

والثالث: {وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}

قَالَ بَعْضُهُمْ: نجيناهم من العذاب الذي أهلك هَؤُلَاءِ. ويحتمل أن يكون على الوعد أي: ينجيهم في الآخرة من عذاب غليظ.

﴿ ٥٨