١٦

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)

في الآية دلائل:

أحدها: أن من ارتكب صغيرة فإنه يخاف عليه التعذيب، ولا يصير كافرًا، ومن ارتكب كبيرة لم يخرج من الإيمان؛ لأن إخوة يوسف هموا بقتل يوسف، أو طرحه في الجب، والتغييب عن وجه أبيه، وإخلائه عنه، وذلك لا يخلو منهم: إما أن تكون صغيرة أو كبيرة:

فإن كانت صغيرة فقد استغفروا عليها بقولهم: {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا. . .} الآية؛ دل أنهم إنما استغفروا لما خافوا العذاب عليها.

وإِن كانت كبيرة فلم يخرجوا من الإيمان؛ حيث صاروا أنبياء من بعد وصاروا قومًا صالحين؛ حيث قالوا: {وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}.

دل ما ذكرنا على نقض قول المعتزلة في صاحب الصغيرة أن لا تعذيب عليه، وصاحب الكبيرة أنه خرج من الإيمان، ونقض قول الخوارج في قولهم: إنه إذا ارتكب كبيرة أو صغيرة صار به كافرًا مشركًا.

 وفيه نقض قول من يقول: إن من كذب متعمدا أو وعد فأخلف أو اؤتمن فخان يصير منافقًا؛ لأن إخوة يوسف اؤتمنوا فخانوا، ووعدوا فأخلفوا، وحدثوا فكذبوا، فلم يصيروا منافقين؛ لأنهم قالوا: أكله الذئب، ولم يأكله، وهو كذب، واؤتمنوا، فخانوا حين ألقوه في الجب، ووعدوا أنهم يحفظونه، ولم يحفظوه.

فَإِنْ قِيلَ: روي عن رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " ثلاث من علامات النفاق: من إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، " فكيف يوفق بين الآية والخير؟! إذ هو لا يحتمل النسخ؛ لأنه خبر، والخبر لا يحتمل النسخ.

قيل يشبه أن يكون هذا في قوم خاص من الكفرة اؤتمنوا بما أودع في التوراة من نعت مُحَمَّد، فغيروه، ووعدوا أن يبينوه، فأخلفوا وكتموه، وحدثوا أنهم بينوه، فكذبوا، أو يصير منافقًا بما ذكر، إذا كان ذلك في أمر الدِّين، وأما في غيره: فإنه لا يصير به منافقًا، ولا يكون ذلك من أعلام المنافق، واللّه أعلم.

﴿ ١٦