٣٣

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)

فيه دلالة أنه قد كان منهن من المراودة والدعاء ما كان من امرأة العزيز من المراودة والدعاء إلى نفسها؛ حيث قال: {السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}؛ ألا ترى أنه قال في موضع آخر: {مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ}، وكذلك قالت امرأة العزيز: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} أي: كنتن لمتنني فيه أني راودته عن نفسه؛ وأنتن قد راودتنّه عن نفسه.

وقول يوسف: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}.

أي: ذلك الذل والصغار أَحَبُّ إِلَيَّ، أي: آثَر عندي وأخير في الدِّين مما يدعونني إليه؛ وإن كان ما يدعونه إليه تهواه نفسه وتميل إليه وتحبه؛ فأخبر أن السجن أحبّ إليه، أي: آثر وأخير في الدِّين، إذ النفس تكره السجن وتنفر عنه، ألا ترى أنه قال: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ}؟! فهذا يدل على أن ما قال: {السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} وإنما أراد به: محبة الاختيار والإيثار في الدِّين، لا محبة النفس واختيارها؛ بل كانت النفس تحب وتهوى ما يدعونه إليه؛ دليله قوله: {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ}. وليس الدعاء في قوله: {السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} كما يقول بعض الناس: إنه إنما وقع في السجن؛ لأنه سأل ربه السجن فاستجيب له في ذلك؛ ولكن الدعاء في قوله: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُ}، وهو كقول آدم وحواء: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا. . .} الآية. ليس الدعاء في قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} لأنه: إخبار عما كان منهم، إنما الدعاء في قوله: {وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وكذلك قول نوح: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي}.

وفي قوله: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} دلالة على أن عند اللّه لطفًا لم يكن أعطى يوسف ذلك؛ إذ لو كان أعطاه لكان كيدهن وشرهن مصروفًا عنه؛ حيث قال: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ} ولو كان أعطي ذلك لم يكن لسؤاله ذلك معنى، فهذا ينقض على المعتزلة قولهم، حيث قالوا: إن اللّه قد أعطى كلا قدرة كل طاعة وقوة كل خير والدفع عن كل شر،

وقوله: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ} أي: لا أحد يملك صرف كيدهن عني لو لم تصرفه أنت، وكذلك قوله: {وَإلا تَغفِر لِي وَتَرْحَمْنِي} وهو أبلغ في الدعاء من قوله: اللّهم اغفر لي وارحمني.

وقوله: {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ}.

قَالَ بَعْضُهُمْ: أمل إليهن.

وقَالَ بَعْضُهُمْ: قال: لو لم تصرف عني كيدهن لأتابعهن.

ويقال: الصبو: هو الخروج عن الأمر؛ يقال: كل مَنْ خرج عن دينه فقد صبا.

وبهذا كان المشركون يُسَمون النبي - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: صابئا، أي: خرج مما نحن عليه.

وقال أبو بكر الأصم: الأصب: هو الأمر المعجب.

وقوله: {وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ}.

أي: يكون فِعْلي فعْل الجهَّال لا فِعل العلماء والحكماء، إن لم تصرف عنى كيدهن.

﴿ ٣٣