٣٦

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)

قيل: عبدين للملك؛ غضب عليهما الملك.

{قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا}.

وقَالَ بَعْضُهُمْ: أرض يُدعى العنب بها خمرا، أو سمي خمرًا باسم سببه وباسم أصله، وجائز في اللغة تسمية الشيء باسم سببه وباسم أصله.

{وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا}

كان أحدهما خبازا للملك، والآخر ساقيه.

{نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}

قَالَ بَعْضُهُمْ: إحسانه في السجن؛ لما كانوا رأوه يداوي المرضى، ويعزّي حزينهم، ويجتهد في نفسه في العبادة لربه. هذا يحتمل لعله كان يبرّ أهل السجن ويصلهم، ويجتهد في العبادة للّه في الصلاة له والصوم، وأنواع العبادة التي تكون فيما بينه وبين ربه، فسمياه محسنًا لذلك.

ويشبه أن يكون قالوا: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} لما رأوا به سيما الخير وآثاره، أو يدعوهم إلى توحيد اللّه والعبادة له، وخلعهم عن عبادة الأصنام والأوثان والانتزاع من ذلك، فسمياه محسنًا لذلك.

 ويحتمل قوله: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} لما رأوه أحسن إلى أهل السجن، ويحتمل الإحسان - هاهنا -: العلم؛ أي: نراك من العالمين؛ وهو قول الفراء.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ}.

سمى التعبير: تأويلا؛ لأن التأويل: هو الإخبار عن العواقب؛ لذلك سموه تأويلا، ثم خرج تأويل الذي كان يعصر الخمر على العود إلى ما كان في أمره؛ من السقي للملك؛ وهو كان ساقيه؛ على ما ذكر، فلما رأى أنه دام على أمره، أول له بالعود إلى أمره الذي كان فيه. والآخر كان خبازًا؛ على ما ذكر، وهو إنما كان يخبز للناس، فلما رأى أنه حمل الخبز على رأسه، وأنه يأكل الطير - علم أنه يخرج من الأمر الذي كان فيه، وخروجه يكون بهلاكه؛ لأنه كان من قبل يخبز للناس، فصار يخبز لغيرهم؛ فاستدل بذلك على خروجه من أمره وعمله، لكنه أخبر أنه يصلب؛ لأنه كان قائمًا منتصبًا، فأول على ماى ن أمره. واللّه أعلم.

﴿ ٣٦