٣٧

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللّه وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) هذا - واللّه أعلم - كان يقول لهم ذلك؛ ليعرفهم أن عنده علم ذلك؛ علم ما لا يُحتاج إليه؛ فعلم ما يحتاج إليه أحرى أن يعلم ذلك، وهذا - واللّه أعلم - منه احتيال؛ لينزعهم عما هم فيه من عبادة الأوثان، وعبادتهم غير اللّه، وليرغبهم في توحيد اللّه، وصرف العبادة إليه؛ ولهذا قال:

{ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي}

هذا باللطف ما أضاف إليه أنه علمه، وإلا التعليم لا يكون إلا باختلاف الملائكة إليه، وذلك لطف من اللّه تعالى للرسل عليهم السلام.

وقوله: {لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا}.

تأويله - واللّه أعلم - أي: لا يأتيكما طعام رأيتما آثار ذلك في المنام إلا نبأتكما بتأويل ذلك قبل أن يأتي ذلك.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللّه}.

أخبر أنه ترك: {مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللّه. . .} الآية.

وقوله: {تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللّه} ليس أنه كان فيه ثم تركه، ولكن تركه ابتداء؛ ما لو لم يكن تركه كان آخذا بغيره؛ وهو كقوله: {رَفَعَ السَّمَاوَاتِ}، ليس أنها كانت موضوعة فرفعها، ولكن رفعها أول ما خلقها. وكذلك قوله: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا}

 ليس أنها مرفوعة ثم وضعها؛ أي أنشاها مرفوعة وموضوعة.

وكقوله: {يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}، ليس أنهم كانوا فيها فأخرجهم، ولكن عصمهم حتى لم يدخلوا فيها. فعلى ذلك الأول. واللّه أعلم.

﴿ ٣٧