٧٦

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللّه نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)

ظاهر هذا الكلام: أن يكون يوسف هو الذي فتش أوعيتهم، وطلب ذلك فيها؛ حيث نسب ذلك إليه بقوله: {قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ}.

لكنه نسب إليه؛ لمْا بامْرِهِ فُتِّشَ؛ إِذ الملوك لا يتولون ذلك بأنفسهم وفيه أنه قد فصل بينهم وبين بنيامين؛ حيث سفى هذا أخاه، ولم يسم أُولَئِكَ؛ بقوله: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ}، وهو يخرج على وجهين:

أحدهما: أنه قد ذكر لهذا أنه أخوه؛ حيث قال له: {إِنِّي أَنَا أَخُوكَ}؛ ولم يذكر لأُولَئِكَ فسمى هذا أخًا له، ونسب إليه بالأخوة؛ لما كان ذكر له، ولم يسم أُولَئِكَ؛ لما لم يذكر لهم أنه أخوهم.

والثاني: أنه لم يكن لهذا - أعني بنيامين لمكان يوسف - سوء صنيع، ولا شر، بل هو على الأخوة والصداقة التي كانت بينه وبينه. وأمَّا أُولَئِكَ - أعني غيره من الإخوة - فقد كان منهم إليه ما كان من سوء صنيعهم، وقبح فعالهم؛ فيخرج ذلك مخرج التبري من الإخوة بسوء ما كان منهم إليه؛ وهو كقوله لنوح - عليه السلام - حين قال: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} نفى أن يكون من أهله؛ بسوء عمله وفعله؛ غير صالح.

فعلى ذلك الأول يشبه أن يكون على هذا. واللّه أعلم.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ}.

دل هذا أنه قد كان منه أيضًا التفتيش والطلب في وعاء أخيه؛ على ما كان في أوعيتهم لا يستخرجها على غير تفتيش.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}.

هذا يحتمل وجهين:

يحتمل {كَذَلِكَ كِدْنَا} أي علمنا يوسف - من أول الأمر إلى آخره - ما يكيد ويحتال في إمساك أخيه عنده ومنعه عنهم؛ لأن يخلو لهم وجه أبيهم جزاء ما طلبوا هم: أن يخلو لهم وجه أبيهم؛ بتغييب يوسف عن أبيه؛ لأن أباهم قال: {حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللّه لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ}، فلما بلغه ذلك الخبر - تولى عنهم؛ وهو قوله: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ. . .} الآية؛ هذا - واللّه أعلم - جزاء كيدهم الذي كادوا بيوسف ليخلو لهم وجه أبيهم؛ ليتولى عنهم أبوهم، هذا يشبه أن يكون.

والثاني: {كِدْنَا لِيُوسُفَ} أي: علمناه أن كيف يفتش أوعيتهم لئلا يشعروهم أنه عن علم استخرجها من وعاء أخيه؛ لا عن جهل وظن، فعلمه البداية في التفتيش بأوعيتهم؛ لئلا يقع عندهم أنه عن علم ويقين يأخذه.

يشبه - واللّه أعلم - أن يخرج قوله: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} على هذين الوجهين. أو {كِدْنَا لِيُوسُفَ} أي: أمرنا يوسف بالكيد بهم؛ جزاء ما عملوا بمكانه لما اهتموا بإمساك أخيهم.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ}.

أي في حكم الملك، ذكر أن حكم إخوة يوسف وقضاءهم فيهم: أن من سرق يكون عبدًا بسرقته للمسروق منه، ويستعبد بسرقته، ومن حكم الملك: أن يغرم السارق ضِعْفَي ما سرق؛ ويضرب ويؤدب؛ ثم يخلى عنه، ولا نعلم ما حكم الملك في السرقة، سوى أنه أخبر أن ليس له أخذ أخيه في دين الملك.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللّه} أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك، أو يجعل له حق الأخذ وحبسه؛ وإن لم يكن ذلك في حكمه.

أو أن يكون قوله: {إِلَّا أَن يَشَاءُ اللّه} على ما كان من إبراهيم: {وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا} وكان الأنبياء - عليهم السملام - يذكرون الثنيا على حقيقة المشيئة، أو يقول: إلا أن يكون في علم اللّه مني زلة؛ فاستوجب عند ذلك الكون في دين ذلك الملك؛ فيشاء ما علم مني، وكذلك قول إبراهيم حيث قال:

 قوله تعالى: {وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا} أي: لا أخاف ما تشركون به؛ إلا أن يكون مني ما أستوجب ذلك بزلة؛ فيشاء اللّه ذلك منى.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ}.

الدرجات: هن الفضائل؛ يرفع بعضهم فوق بعض بالنبوة والعلم، وفي كل شيء.

{وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}.

ما من عالم وإن لطف علمه وكثر إلا قد يكون فوقه من هو ألطف علمًا منه وأكثر وأعلم في شيء أو يكون قوله: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} وهو اللّه تعالى؛ فوق كل ذي علم؛ يعلمهم العلم، واللّه أعلم.

من يقول: إنه عالم إلا بعلم يحتج بظاهر هذه الآية؛ حيث قال: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} أثبت لغيره العلم ولم يذكر لنفسه؛ بل قال: {عَلِيمٌ}؛ لكنه إذا قال: {عَلِيمٌ} أثبت العلم ولأنه إذا قال: وفوق كل العلماء عليم يكون كذلك.

﴿ ٧٦