١٠١وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) قال أبو بكر الأصم: ذكر {مِنَ الْمُلْكِ}؛ لأنه لم يؤته كل الملك؛ إذ كان ووقه ملك أكبر منه، لكن لا لهذا ذكر {مِنَ الْمُلْكِ}؛ إذ معلوم أنه لم يؤت لأحد كل ملك الدنيا؛ قال اللّه تعالى: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ}، ويكون في وقت واحد ملوك. وقال مقاتل: (من) صلة: كأنه قال: رب قد آتيتني من الملك. لكن الوجه فيه ما ذكرنا. وقوله: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ. . .} إلى آخر ما ذكر، قدم دعاءه؛ وسؤاله ربه ما سأل؛ إحسانه إليه ومحامده وصنائعه؛ ليكون ذلك له وسيلة إلى ربه في الإجابة. وفي ذلك دلالة نقض قول المعتزلة من وجهين: أحدهما: يقولون: إن كل أحد شفيعه عمله؛ فيوسف لم يذكر ما كان منه: أني فعلت كذا؛ فافعل بي كذا، ولكن ذكر نعم اللّه وإحسانه إليه. والثاني من قولهم: إنه لا يؤتي أحدًا ملكًا ولا نبوة إلا بعد الاستحقاق به ولا يكون من اللّه إلى أحد نعمة وإحسان إلا بعد الاستحقاق. ومن قولهم: إن كل أحد هو المتعلم؛ لا أن اللّه يعلم أحدًا، وقد أضاف يوسف التعليم إلى اللّه؛ حيث قال: (وَعَفَضتَنِى مِن تَأويلِ آلأصًادِيث وهم يقولون: لم يعلمه ولكن هو تعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}. قال أهل التأويل: تعبير الرؤيا، ولكن الأحاديث: هي الأنباء، والتأويل: هو علم العاقبة وعلم ما يئول إليه الأمر، كأنه قال: علمتني مستقر الأنباء ونهايتها؛ كقوله - تعالى -: {لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ}. واللّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. كأنه على النداء والدعاء؛ ذكر: يا فاطر السماوات والأرض؛ لذلك انتصب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}. يشبه أن يكون تأويله: أنت ولي نعمتي في الدنيا والآخرة؛ كما يقال: فلان ولي نعمة فلان. ويحتمل: أنت أولى بي في الدنيا والآخرة، أو أنت ربي وسيدي في الدنيا والآخرة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا}. تمنى - عليه السلام - التوفِّي على الإسلام، والإخلاص باللّه والإلحاق بالصالحين؛ فهو - واللّه أعلم - وذلك أن اللّه قد آتاه النهاية في الشرف والمجد في الدنيا دينًا ودنيا؛ لأن نهاية الشرف في الدِّين هي النبوة والرسالة، ونهاية الشرف في الدنيا الملك؛ فأحب أن يكون له في الآخرة مثله؛ فقال: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} ثم يحتمل سؤاله: أن يلحقه بالصالحين؛ بكل صالح. ويحتمل: أنه سأله أن يلحقه بالصالحين؛ بآبائه وأجداده وبجميع الأنبياء والرسل. وقوله: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} هو ينقض على المعتزلة أيضًا؛ ومن قولهم: إنه أعطى كل أحد ليس له ألا يتوفاه مسلمًا؛ فيكون في دعائه عابثا؛ على قولهم. والثاني: على قولهم، لا يملك أن يتوفاه مسلمًا؛ لأن من قولهم: إنه أعطى كل أحد ما به يكون مؤمنًا حتى لم يبق عنده شيء، ومن سأل آخر شيئًا يعلم أنه ليس عنده؛ فهو يهزأ به، أو يكون فيه كتمان النعمة؛ وفي كتمان النعمة كفرانها. |
﴿ ١٠١ ﴾