٢٧وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّه يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) يحتمل سؤالهم الآية أنفس الآيات التي أتت بها الرسل من قبل قومهم، أو سألوا آيات سموها، كقوله: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا. . .} الآية، {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ. . .}، إلى آخر ما ذكر من الآيات، سألوها منه، أو سألوه آيات تضطرهم وتقهرهم على الإيمان؛ كقوله: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}. وفيه دلالة أنه لو شاء لأنزل عليهم آيات؛ لآمنوا كلهم بها، واهتدوا، وعنده أشياء لو أعطاهم لكان ذلك سبب اهتدائهم وتوحيدهم؛ وكذلك لو أعطى أشياء لكان ذلك سبب كفرهم جميعًا؛ كقوله: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ. . .} الآية، لكنه لا ينزل الآية على شهواتهم وأمانيهم، ولكن ينزل أشياء؛ تكون عند النظر والتأمل حجة؛ فمن تأمل فيها وتفكر لاهتدى وآمن بالاختيار، ومن أعرض عنها ولم يتفكر ضل وزاغ بالاختيار. ويحتمل قوله: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً} أي: إن نشأ إيمانهم واهتداءهم ننزل عليهم آية، وذلك تأويل قوله على أثر سؤالهم الآية. {قُلْ إِنَّ اللّه يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}. أي: ينزل من الآيات ما يهتدي بها المنيب إليها والمقبل، ويضل المعرض عنها؛ والصادر بالاختيار، ويكون اهتداؤهم باختيارهم؛ أوضلالهم باختيارهم؛ لا بالاضطرار والقهر؛ ألا ترى أنه قال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّه} وهو القرآن الذي أنزله على رسوله؛ فهو وصف المقبل المنيب إلى ذكر اللّه؛ يسكن وتطمئن قلوبهم بالتأمل والتفكر فيها وأصله أن اللّه - عَزَّ وَجَلَّ -: شاء اهتداء من علم أنه يختار الاهتداء والإيمان، وشاء ضلال من علم أنه يختار فعل الضلال والزيغ، يشاء ألكل؛ لما علم منه أنه يختار ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {أَلَا بِذِكْرِ اللّه تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} وتسكن إليه. وقال بعض أهل التأويل: هو في الحلف في الخصومات؛ ألا في الحلف باللّه؛ أتطمئن وتسكن، قلوب الذين آمنوا لا تطمئن بالحلف بغير اللّه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ألا بالقرآن؛ وبما في القرآن من الثواب، تسكن وتطمئن قلوب الذين آمنوا. ويشبه أن يكون قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّه} أي: تفرح وتستبشر قلوب الذين آمنوا بذكر اللّه ألا بذكر اللّه تستبشر وتفرح قلوب الذين آمنوا؛ لأنه ذكر في الكفرة الفرح بالحياة الدنيا؛ وهو قوله: {وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا}، وذكر في المؤمنين الاستبشار والفرح بذكر اللّه، وفي أُولَئِكَ ذكر أن قلوبهم تشمئز بذكر الرحمن وتستبشر بذكر من دونه؛ وهو قوله: {وَإِذَا ذُكِرَ اللّه وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أخبر اللّه تعالى أن قلوب المؤمنين تستبشر وتفرح بذكر اللّه، وقلوب أُولَئِكَ تستبشر وتفرح بذكر من دونه. |
﴿ ٢٧ ﴾