٣٣

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}.

قال أبو بكر الأصم: يقول: من الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت اللّه أم شركاؤكم فالقائم هو المدبر الحافظ بكل ما فيه الخلق ويشبه أن يكون تأويله: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ} أي: حافظ وعالم على كل نفس بما كسبت؛ أو بالرزق لهم والدفع عنهم، كمن هو أعمى عن ذلك، ليسا بسواء كقوله: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ. . .} الآية.

أو يقول: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؛ كمن هو غير قائم عليه؟ ليسا بسواء.

وقال مقاتل: أفمن هو قائم على رزقهم وطعامهم.

ثم قال: {وَجَعَلُوا للّه شُرَكَاءَ}.

أي: وصفوا للّه شركاء وعبدوها؛ واللّه أحق أن يعبد من غيره.

يقول اللّه: أنا القائم على كل نفس؛ أرزقهم وأطعمهم؛ أفأكون أنا وشركائي الذين لا يفعلون ذلك سواء؟!!

والوجه فيه ما وصفنا: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، أي: يرزق ويبصر ويعلم ما تعمل وتكسب ويحفظ، عن أنواع البلايا؛ كمن هو أعمى جاهل عاجز عن ذلك كله؟ أي: ليس هذا كذلك. ويسفههم في إشراكهم الأصنام التي عبدوها في الألوهية والعبادة، وهي بالوصف الذي ذكر؛ كمن هو أعمى عاجز عن ذلك؟ أي: ليسا بسواء.

وقوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} يحتمل قائم على كل نفس بما كسبت؛ فيما قدر لها وقواها أو في الجزاء يجزي على ما تكسب.

{وَجَعَلُوا للّه شُرَكَاءَ} في العبادة؛ أو في تسميتهم آلهة، لا يعلمون ما كسب لها، ولا يملكون جزاء ما كسبوا لها أيضًا.

يبين سفههم في - جعلهم هذه الأصنام والأوثان شركاء للّه في العبادة؛ وتسميتهم آلهة؛ مع علمهم أنهم لا يقدرون ولا يملكون شيئًا من ذلك.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {قُلْ سَمُّوهُمْ}.

قال بعض أهل التأويل: قوله: {قُلْ سَمُّوهُمْ} بذلك الاسم؛ ولو سموهم، سموهم بكذب وباطل وزور.

وعندنا قوله: {قُلْ سَمُّوهُمْ} أي: لو سميتموها آلهة واتخذتموها معبودًا؛ فسموهم أيضًا بأسماء سميتم اللّه؛ من نحو: الخالق والرازق والرحمن والرحيم؛ ونحوه.

يقول - واللّه أعلم - إذ سميتم هذه الأصنام آلهة ومعبودًا، سموهم أيضًا: خالقًا ورازقا ورحمانا ورحيمًا، وهم يعلمون أنها ليست كذلك. واللّه أعلم.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ}.

أي: أم تنبئون اللّه؛ وهو عالم بما في السماوات وما في الأرض؛ وعالم بكل شيء، وهو لا يعلم في الأرض ما تقولون من الآلهة وما تصفونه بالشركاء؟! وكذلك يخرج قوله:

{قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّه بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}، أم تنبئونه بما ليس في الأرض شيء مما تقولون وتصفون شيء؛ أي: يقول: أتنبئون اللّه بما لا يعلم في السماوات والأرض، وهو عالم بكل شيء؟ أي: تقرون بأنه عالم بكل شيء؛ وهو لا يعلم ما تقولون وتسمونه من الشركاء وغيره.

والثاني: أم تنبئونه بما لا يعلم؛ أي: ليس في الأرض.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ}.

قال أهل التأويل: {أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ} أي: بل بباطل من القول وزور.

ويشبه أن يكون بظاهر من القول؛ أي: بضعيف من القول وخفيف، يسمون الشيء الذي لا حقيقة له ولا ثبات ظاهرًا باديًا؛ كقوله: {إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} أي: ضعيف الرأي: وخفيفه؛ لا حقيقة له ولا قرار.

ويحتمل قوله: {أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ} في الخلق والأسلاف؛ أي: لم يظهر ما يقولون؛ ويصفون؛ إشراك هذه الأصنام؛ وتسميتها آلهة ومعبودًا؛ فيكون (أم) في موضع حقيقة ويقين؛ على هذا التأويل واللّه أعلم.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ}.

قال بعض أهل التأويل: {مَكْرُهُمْ}: قولهم الذي قالوه من الكذب والزور؛ أنها آلهة وأنها شركاء اللّه

لكن يشبه أن يكون قوله: {مَكْرُهُمْ} أي: مكرهم برسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث احتالوا حيلا؛ ليقتلوه لئلا يظهر هذا الدِّين في الأرض، ويطفئون هذا النور؛ ليدوم عزهم وشرفهم في هذه الدنيا؛ وهو كقوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا}، والمكر: هو الاحتيال؛ والأخذ من حيث الأمن. واللّه أعلم.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ}.

صدوا؛ لما علموا من مكرهم واختيارهم ما اختاروا والسبيل، المطلق هو سبيل اللّه؛ وإلا كان جميع الأديان والمذاهب يسمى سبيلا؛ كقوله: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ}

 لكن ما ذكرنا أن السبيل المطلق هو سبيل اللّه، والكتاب المطلق كتاب اللّه، والدِّين المطلق دين اللّه.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللّه فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}.

من أضله اللّه فلا يملك أحد هدايته، ومن هداه فلا يملك أحد إضلاله.

﴿ ٣٣