٣٩

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَمْحُو اللّه مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)

قال قائلون: قوله: {يَمْحُو اللّه مَا يَشَاءُ} المحو - هاهنا -: أن أنشأه في الابتداء بمحو؛ ليس على أن كان مثبتًا فمحاه، ولكن أنشاه هكذا ممحوا؛ وهو كقوله: {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ} ليس أنه كان منشأ كذا ثم محي؛ ولكن أنشأه في الابتداء ممحوًّا، وكقوله: {رَفَعَ السَّمَاوَاتِ} ليس أنها كانت موضوعة ثم رفعها؛ ولكن أنشأها مرتفعة كما هي، فعلى ذلك هذا.

ثم يحتمل ذلك الأعمال التي كانت معفوَّة في الأصل؛ من نحو أعمال الصبيان؛ والأعمال التي لا جزاء عليها.

وقال قائلون: على إحداث محو؛ ثم هو يحتمل وجوهًا: يحتمل: ما ينسخ من الأحكام - فهو على محو الحكم به؛ والعمل ليس على محو نفسه؛ {وَيُثْبِتُ}: وهو ما لا ينسخ؛ ولا يترك العمل به والحكم.

ويحتمل المحو: محو الأحوال؛ وهو ما ينقل ويحول من حال إلى حال؛ من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن حال العلقة إلى حال المضغة، يحوله وينقله من حال إلى حال أخرى؛ فذلك هو المحو.

ويحتمل المحو -أيضًا-: هو ما يختم به العمر؛ السعادة أو الشقاء: إذا كان كافرًا ثم أسلم في آخر عمره - محيت الأعمال التي كانت له في حال كفره؛ فأبدلت حسنات،

 وإذا كان مسلمًا ثم ختم بالكفر - محيت أعماله التي كانت له من الصالحات، فلم ينتفعوا بها.

أو أن يكون ما ذكر من المحو والإثبات: هو ما يكتب الحفظة من الأعمال والأفعال يمحي عنها ما لا جزاء لها ولا ثواب؛ ويبقي ما له الجزاء والثواب ويترك مكتوبًا كما هو.

أو يكون للخلق مقاصد في أفعالهم؛ والحفظة لا يطلعون على مقاصدهم؛ فيكتبون هم ما هو في الحقيقة حسنة؛ لقصده سيئة؛ على ظاهر ما عمل، أو حسنة في الظاهر؛ وهو في الحقيقة سيئة؛ فيغير ذلك؛ فيجعل ما هو في الحقيقة شر وفي الظاهر خير - شرّا بالقصد، وما هو في الحقيقة خير وفي الظاهر شر - خيرًا.

أو أن يكون في كتابة الحفظة لكنه من وجه آخر؛ وهو أن الحفظة يكتبون الأعمال؛ ثم يعارض ذلك بما في اللوح المحفوظ؛ فمحى من كتابة الحفظة من الزيادة؛ ويثبت فيها ما كان فيه من النقصان. واللّه أعلم.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}.

هذا يحتمل: عنده الذي يعارض به كتب الملائكة.

ويحتمل: وعنده أُم الكتاب الذي يستنسخ منه الكتب التي أنزلت على الأنبياء والرسل؛ وهو في اللوح المحفوظ.

وفيه دلالة أن اختلاف الألسن لا يوجب تغيير المعنى؛ لأنه لا يدري أن تلك الكتب في اللوح بأي لسان هي، ثم أنزل منه كل كتاب على لسان الرسول الذي نزل عليه، وكذلك الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم؛ لا يحتمل أن يكتبوا بلسان الخلق؛ لأنه يظهر لو كانوا يكتبون بلسان هَؤُلَاءِ؛ فدل أنهم إنما يكتبون بلسان أنفسهم، فهذا كله يدل أن اختلاف اللسان لا يوجب اختلاف المعنى. واللّه أعلم.

﴿ ٣٩