٥٥

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥)

أي: بما هو كائن لا محالة، أي: وعد كائن لا محالة، والواجب على كل من أنعم عليه بنعمة أن يشتغل بالشكر للمنعم، لا يستكشف عن الوجوه التي أنعم، والأحوال التي يكون عليها.

ثم في بشارة الولد بشارتان:

إحداهما: بشارة بالغلام.

والثانية: بالبقاء والبلوغ إلى وقت العلم؛ حيث قالوا: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ}، وهو ما قال في آية أخرى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا}، ففي قوله " كهلا " دلالة وبشارة: إلى أنه يبقى إلى أن يصير كهلا، وإلا الكهل يضعف.

 وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ}.

قد ذكرنا فيما تقدم أن الأنبياء قد نهوا عن أشياء قد عصموا عنها ما لا يحتمل أن يكون منهم ما نهوا عنه؛ نحو قوله: {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}، {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، و {مِنَ الظاِلمينَ}، (الكافرين)، وأمثاله، وذلك مما لا يتوهم كونه منهم؛ وذلك لما ذكرنا أن العصمة لا ترفع المحنة؛ لأنها لو رفعت لذهبت فائدة العصمة؛ لأنها إنما يحتاج إليها عند المحنة، وأمَّا إذا لم يكن محنة فلا حاجة تقع إليها، فعلى ذلك إبراهيم لم يكن قنط من رحمة ربه؛ أنه لا يهب له الولد في حال كبره؛ ولكن ما ذكرنا، ثم بين أنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون: أخبر أن القنوط من رحمة اللّه هو ضلال، والإياس من رحمته كفر، فعندهم تضيق رحمته حتى لا يسع فيها الكبائر، والمعتزلة يقنطون من رحمة ربهم؛ لقولهم في أصحاب الكبائر ما يقولون.

﴿ ٥٥