١٨وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨) قَالَ بَعْضُهُمْ: لأنهم كانوا مفتحي الأعين والأبصار كاليقظان. وقَالَ بَعْضُهُمْ: وتحسبهم أيقاظا؛ لأنهم كانوا يتقلبون في رقودهم اليمين والشمال كما يتقلب اليقظان يمينا وشمالا. وقال بعض أهل التأويل: إنما كان يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، ليدفع عنهم أذى الأرض وضررها؛ لئلا يفسدوا ولا يتلاشوا، وإن كان اللّه قادرًا أن يدفع عنهم الأذى وضرر الأرض لا بتقليب من جانب إلى جانب وإن كان ذلك مما يفعله من لا يملك دفع الأذى إلا بما ذكرنا، فأما من كان قادرًا بذاته مستغنيا عن الأسباب التي بها يدفع فغير محتمل. وهو: على التعليم منه إياهم: أن كيف يتقى الأذى؟ وكيف يدفع الضرر؟ فإذا لم يكن بمشهد من الخلق فلا معنى له. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ}؛ لأنهم كانوا في مكان الريبة واللصوص مما لا يأوي إليه إلا هارب من ريبة وشر أو قاصد ريبة وطالب عثرة ومكابرة لم يكونوا في مكان يسلم فيه ويرقد ولا يختار للنوم مثله، فقال: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} ولما كانوا في مكان لا ينام فيه للخوف، كأنهم أيقاظ وهم رقود، واللّه أعلم. ولكن لا ندري لأي معنى ذكر أنه يحسب الناظر إليهم كأنهم أيقاظ وهم رقود؟ وإذا لم يبين اللّه ذلك فلا نفسر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} هو ما ذكرنا أنهم: قد يتقلبون في نومهم من جانب إلى جانب، وذكر التقليب جائز أن يكون؛ لما ذكر بعضهم من دفع أذى الأرض وضررها. أو ذكر فعله؛ لما له في تقلبهم صنع وفعل، واللّه أعلم. وقوله: {ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ} وإذ لا يفهم من ذات الشيء غير ذلك الشيء أو شيء آخر سواه؛ لأنه ذكر ذات اليمين فهو اليمين والشمال نفسه لا غير؛ فعلى ذلك في قولنا: عالم بذاته، لا يفهم غير علمه، أي: عالم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ}. قَالَ بَعْضُهُمْ: الوصيد: هو فناء الباب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الوصيد: هو عتبة الباب. قَالَ الْقُتَبِيُّ: الوصيد: الفناء، ويقال: عتبة الباب، وهذا أعجب إِلَيَّ؛ لأنهم يقولون: أوصد بابك، أي: أغلقه. ومنها {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ} أي مطبقة، وأصله: أن تلصق الباب إلى العتبة إذا أغلقته. فإن كان الوصيد هو عتبة الباب، ففيه أن الكلب كان داخل باب الغار، وإن كان الفناء ففيه أنه كان خارج باب الغار، وفيه أيضًا أنه أبقى الكلب ثلاثمائة سنة على ما أبقاهم، وإن لم يكن من جوهرهم بلطفه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا}. قال بعض أهل التأويل: وذلك أن شعورهم قد طالت وأظفارهم قد امتدت وعظمت، فكانوا بحال يرغب عنهم ويهاب. لكن هذا لا يحتمل؛ لأنهم قالوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} فلو كانوا على الحال التي ذكروا من تطاول الشعور وامتداد الأظفار وتغير أحوالهم، لم يكونوا ليقولوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}؛ إذ لو نظروا في أنفسهم من تغير الأحوال، لعرفوا أنهم لم يلبثوا ما ذكروا من الوقت؛ دل ذلك أن ذلك الخوف والهيبة لا لذلك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لأنهم كانوا في مكان الريبة فيما لا يؤوي إلى مثله إلا لخوف ريبة أو طلب ريبة لا يأويه إلا لهذين: هارب من شر، أو طالب شر على آخر؛ على ما ذكرنا: أن من أقام في مهاب ومكان مخوف يهاب منه ويخاف. أو أن يكونوا بحيث يهابون ويخاف منهم لئلا يدنو منهم أحد، ولا يقرب، فلا يوقظهم أحد، ليبقوا إلى المدة التي أراد اللّه أن يبقوا فيه؛ ولذلك يحتمل هذا المعنى في تقليب اليمين والشمال؛ فجائز أن يكرن قوله: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} وذلك الخوف وتلك الهيبة: هيبة الدِّين، على ما روي عن رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " نصرت بالرعب مسيرة شهرين "، وذلك لدينه ولحقيقة أمره؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من هيبة أحوالهم لدينهم الذي اختاروا من بين قومهم وفارقوهم؛ ليسلم دينهم إلى مكان لا طعام فيه ولا شراب؛ وذلك لحقيقة ما اختاروا من الدِّين، كان ذلك لمعنى لم يطلع اللّه رسوله على ذلك؛ فلا نفسر، واللّه أعلم. |
﴿ ١٨ ﴾