٢٤إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللّه ... (٢٤) لو كان فهم الخطاب على ظاهر ما خرج، لكان في قوله: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللّه) نهى عن العدة بالثنيا، فإذ لم يفهم هذا، ولكن فهموا: لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن تقول إن شاء اللّه، على إضمار القول؛ دل أن الخطاب ليس يحمل على ظاهر المخرج، ولكن على ما توجبه الحكمة والدليل. ثم نهى أن يعد عدة ولا يستثني فيها، وقاس بعض الناس الأيمان على العدات فيقول: إذا حلف، فإنه يلزمه أن يستثني فيها، وذلك فاسد؛ لأن الأيمان تخرج على تعظيم الرب وإجلاله، فلا يجوز أن يؤمر بالثنيا فيها؛ لأن الثنيا نقض ذلك التعظيم، وكذلك ما روي: " إذا حلفتم فاحلفوا باللّه ولا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت " نهى عن الحلف بغير اللّه؛ لما في الحلف به تعظيم لذلك الشيء، وأما العدة، فإنما هي إضافة الفعل إلى نفسه، وهو لا يملك تحقيقه؛ لذلك أمر أن يلحق الثنيا فيه؛ لئلا يلحقه الخلف في الوعد إذا لم يفعل ما وعد، وعلى ذلك ذكر عن الأنبياء أنهم إذا وعدوا استثنوا فيه؛ كقول موسى: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللّه صَابِرًا. . .} الآية، ثم إذا لم يصبر لم يعاتبه بترك الصبر، ولو كان خلفا لعاتبه، كما عاتب موسى حيث قال: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}، وقد ظهر من الأنبياء والرسل الأيمان والقسم، ثم لم يذكر عن أحد منهم الثنيا في ذلك؛ دل أن الثنيا في العدات لازمة وفي الأيمان لا. وفي قوله: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللّه) دلالة الا يكون شيء إلا بمشيئة اللّه حيث ندبه إلى الثنيا، ثم إذا خرج على غير ما وعد لم يلحقه الخلف في الوعد؛ دل أنه قد شاء ذلك، وأنه إذا لم يشأ شيئًا لم يكن؛ لأنه لو كان شيئًا لم يشأ هو، أو شاء شيئًا فلم يكن - لم يكن لقوله: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللّه} معنى إذا كان ما لم يشأ هو، ولم يكن ما هو شاء؛ دل أن ما شاء هو كان، وما لم يشأ لم يكن. وفيه أنه قد شاء كل طاعة وخير من العبد، فلو لم يشأ ما ليس بطاعة، لكان لايستثني، وقد علم أنه قد شاء ذلك، فدل ثنياه على أنه قد يشاء ما ليس بطاعة إذا علم أنه يختار ذلك، وذلك على المعتزلة. فَإِنْ قِيلَ: إنما أمر بالثنيا في العدة؛ لما لعله سيموت قبل أن يفعل ما وعد، أو تذهب عنه القدرة فيعجز عما وعد. قيل: إن الأوهام لا ترجع إلى ذلك، بل الإمكان مشررط فيه وإن لم يذكر؛ نحو ما لا يؤمر الإنسان بالطيران؛ لعدم الإمكان فيه موجودا فهو كالمشروط وإن لم يذكر، فعلى ذلك في العدات والأيمان وغيرها. وجائز أن يكون المراد بهذا الخطاب غير النبي، وهو الأشبه؛ لما لا يحتمل أن يكون النبي - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يعد عدة ولا يذكر الثنيا؛ لما يعرف ألا يكون شيء إلا بمشيئة اللّه وإرادته، وأما غير النبي فجائز ألا يعرف ذلك؛ لذلك كان غيره أولى به يخرج منه على التعريف لهم والعلم. وقول - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}: هذا يحتمل وجهين: أحدهما: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} أي: إذا ذكرته بعدما نسيت فاذكره؛ كقوله: {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}، فعلى ذلك هذا. والثاني: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}، أي: الثنيا في آخر الكلام إذا نسيت أوله - أعني: الثنيا - إذ المستحب أن يستثني في أول كلامه على التبرك؛ كقوله: {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللّه لَمُهْتَدُونَ}، استثنوا أولا ثم وعدوا، فهو المستحب، فكأنه قال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ}: الثنيا في آخر كلامك {إِذَا نَسِيتَ} في أوله وهو الثنيا، وهذا يرد على أصحاب الظاهر؛ لأن ظاهر الكتاب أن يخاطبهم بذكره إذا نسوا، ولا يجوز أن يخاطب أحدًا في حال نسيانه، فإذ لم يفهم من هذا هذا، دل أنه لا يفهم على ما خرج ظاهره، ولكن على ما يصح ويوجب الحكمة، واللّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا}. قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: قل: عسى أن يهديني ربي لآية هي أوضح على دلالة رسالتي وآخذ مما تسألونني من أمر أصحاب الكهف؛ لأنهم كانوا: يسألونه عن خبرهم فيستدلون على رسالته وصدقه؛ فيقول: قد هداني ربي لآية على دلالة رسالتي أوضح مما تسألونني وآخذ للقلوب؛ إذ كانت له آيات حسيات على رسالته. وقال الحسن: قوله: {وَقُلْ عَسَى} وعسى من اللّه واجب، أي: قد هداني ربي الرشد والصواب، وأما غيره من أهل التأويل يقولون: إنه وعد لأُولَئِكَ أن يخبرهم غدا عما يسألونه، وقال: عسى أن يرشدني ربي لأسرع من هذا الميعاد الذي وعدت، واللّه أعلم. |
﴿ ٢٤ ﴾