٥

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)

قال الشيخ - رحمه اللّه -: القول بالكون على العرش - وهو موضع - بمعنى كونه بذاته أو في كل الأمكنة لا يعدو عن إحاطة ذلك به أو الاستواء أو مجاوزته عنه أو إحاطته:

فإن كان الأول فهو إذن محدود محاط به منقوص عن الخلق؛ إذ هو دونه، ولو جاز الوصف له بذاته بما يحيط به الأمكنة لجاز أن يحيط به الأوقات؛ فيصير متناهيًا بذاته مقصرًا عن خلقه.

وإن كان على الوجه الثاني، فلو زيد في الخلق، لانتقص أيضًا، وفيه ما في الأول.

ولو كان على الوجه الثالث فهو الأمر المكروه الدال على الحاجة وعلى التقصير من أن ينشئ ما لا يفضل عنه مما يذم ذا من فعل الملوك أن يفضل عنهم من المقاعد شيئًا.

وبعد: فإن في ذلك تجزئة بما كان بعضه في ذي أبعاض، وبعضه يفضل عن ذلك، وذلك كله وصف الخلائق، واللّه يتعالى عن ذلك.

وبعد: فإنه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من المكان للجلوس شرف ولا علو ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح أو الجبال أنه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر؛ فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه؛ حيث فيها ذكر العظمة والجلال؛ إذ ذكر في قوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} وصفه بالعظمة والسلطان، والقدرة، فكذلك على تعظيم العرش، أي شيء كان من نور أو جوهر؛ لا يبلغه علم الخلق، وإضافة الاستواء إليه لوجهين:

أحدهما: على تعظيمه، بما ذكر على إثره، ذكر سلطانه في ربوبيته، وقدرته وخلقه ما ذكر.

والثاني: على تخصيصه بالذكر بما هو أعظم الخلق وأجله؛ على المعروف من إضافة الأمور العظيمة إلى أعظم الأشياء، كما يقال: تم لفلان ملك بلد كذا، واستوى على موضع كذا لا على خصوص ذلك في الحق، ولكن معلوم أن من له ملك ذلك فما دونه أحق به؛ وعلى ذلك قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي. . .} الآية. بما صارت له أم القرى وأيس الذين كفروا من دينهم، وكذا ما ذكر من إرسال الرسل إلى الفراعنة، وإلى أم القرى لا بتخصيص ذلك، ولكن يذكر عظم الأمر، فمثله أمر العرش، وهو كقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا}.

وقوله: {أَمَرْنَا مُنزَفِيهَا} على لحوق غيرٍ بهم، ويحتمل أن يكون على المنع بوصف المكان؛ إذ هو أعلى الأمكنة عند الخلق ولا تقدر العقول شيئًا، فأشار إليه ليعلم علوه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة، وعلى ذلك قوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ. . .} الآية، والنجوى ليس من نوع ما يضاف إلى المكان، ولكن يضاف إلى الإسرار فأخبر بعلوه عن الأمكنة، وتعاليه عن أن يخفى عليه شيء، ثم بقدرته وقوته بقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} أي: بالسلطان والقوة، وبالألوهية في البقاع كلها؛ لأنها أمكنة العادة بقوله: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} ويملك كل شيء بقوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} وبقوله: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، ثم بعلوه وجلاله بقوله: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}، {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، فجمع في هذه الأحرف ما فرق في تلك، ليعلم أنه بكل ما سمى به ووصف كان ذلك له بذاته لا بشيء من خلقه، وكذلك عزه وشرفه ومجده، جل ثناؤه عن الأشباه ولا إله غيره.

وقَالَ بَعْضُهُمْ: يريد بالعرش: الملك؛ إذ هو اسم ما ارتفع من الأشياء وعلا حتى سمي به السطوح ورءوس الأشجار، والاستواء قيل فيه بأوجه ثلاثة:

أحدها: الاستيلاء، كما يقال: استوى فلان على كورة كذا، بمعنى: استولى.

والثاني: العلو والارتفاع، كقوله: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ}

وقوله: {إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} أي: علوتم.

والثالث: التمام، كقوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى}، أي: تم واستقر.

وقد قيل بالقصد، وإلى ذلك وَجَّهَ أهل الأدب قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}

 بمعنى: خلق على التمثيل بفعل الخلق فيما يتلو فعلهم فعلًا أن يكون بالقصد، وإن كان لا يقال له القصد، ولا قوة إلا باللّه.

ثم الوجه في ذلك لو كان على الاستيلاء، والعزيز الملك أنه مستولي على جميع خلقه، وعلى هذا التأويل المحمول غير هذا، يدل على الأمرين قوله: {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} بمعنى: الملك العظيم، وفيه إثبات عروش غيره، فذلك يحتمل ما يحمل ويحف به الملائكة، واللّه الموفق.

وأمَّا على تأويل التمام والعلو، فهو أن اللّه تعالى قال: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ. . .} الآية، فأخبر بخلق ما ذكر في ستة أيام على التفاريق، ثم أجملها في موضع، فقال: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. . .} إلى قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى} بمعنى خلق الممتحن من خلق الأرض والسماوات فبهم ظهر تمام الملك، وعلا، وارتفع؛ إذ هم المقصودون من خلق ما بينا، فبذلك تم معنى الملك وعلا؛ إذ وصل إلى الذين لهم خلقوا وقد قيل ذا في خلق البشر خاصة بقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا. . .} الآية،

وقوله: {لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ}، ونحوه.

وذكر عن ابن عَبَّاسٍ: أن البشر خلق اليوم السابع فبه التمام والعلو؛ إذ خلق لهم كل شيء وخلقهم لعبادة اللّه، وألحق بهم الجن بقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. . .} الآية لكن المقصود البشر؛ إذ تسخير ما ذكرت كله إنما يرجع إلى منافعهم، واللّه الموفق.

والأصل عندنا في ذلك: أن اللّه - عَزَّ وَجَلَّ - قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فنفى عن نفسه شبه خلقه، وقد بينا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشباه؛ فيجب القول بـ {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} على ما جاء به التنزيل، وينفي عنه شبه الخلق لما أضاف إليه، وإذ لزم القول في اللّه بالتعالي عن الأشباه ذاتًا وفعلًا، لم يجز أن يفهم من الإضافة إليه المفهوم من غيره في الوجود، واللّه الموفق، وقد ذكرنا هذا في غير موضع من القرآن.

﴿ ٥