١٤

وقوله: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ... (١٤) والنطفة هي المعروفة، والعلقة والدم والمضغة: القطعة من اللحم إلى آخر ما ذكر، يخبرهم عن تحويله إياهم وتقليبه من حال إلى حال لوجوه:

أحدها: يخبر عن قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره؛ ليعلموا أن من قدر على إنشاء العلقة من النطفة ما لو اجتمع الخلائق جميعًا على أن يعرفوا سبب خلق هذا عن هذا، مع إحاطة علمهم أن ليس فيها من آثار العلقة شيء - ما قدروا على ذلك، وعلى ذلك جميع ما ذكر من النطفة والمضغة، ومن العلقة والعظم، ومن المضغة والإنسان، دل ذلك كله على أنه قادر؛ فمن قدر على هذا يقدر على إنشائهم من الأصل من لا شيء، ويقدر على إحيائهم بعد ما صاروا ترابًا، والأعجوبة في خلق الإنسان مما ذكر من النطفة والعلقة والمضغة ليس بدون خلقه إياهم من التراب من الوجوه التي ذكرنا.

وفيه دلالة علمه الذاتي؛ لأن من قدر على تحويلهم من حال إلى حال التي ذكر في الظلمات الثلاث؛ دل أنه عالم بذاته لا بعلم مستفاد من أحد، ولا قوة مكتسبة؛ ولكنه بالعلم الذاتي والقوة الذاتية؛ لأن مَنْ علمُه مستفاد، ومَنْ قوتُهُ مستفادة ومكتسبة لا يبلغ ذلك

وفيه دلالة تدبيره؛ لخروج الخلق جميعًا وتوالدهم من أول أمرهم إلى آخر ما ينتهون على جري واحد وسنن واحد، على غير تغيير في التوالد والتناسل الذي جعل فيهم، وكذلك جميع ما يخرج من الأرض من النبات والأشجار والأوراق في كل عام، وفي كل سنة يخرج على جرية واحدة وسنن واحد لا يتغير ولا يتفاوت وقت خروجه؛ بل على تقدير واحد وميزان واحد؛ دل أنه على تدبير ذاتٍ خرج، لا على الجزاف، وباللّه الحول والقوة.

وفيما ذكر من تحويله إياهم وتقليمه من حال إلى حال دلالة أنه لم ينشئهم لأنفسهم، وأن من أنشأ من العالم سواهم إنما أنشاه لهم، وأنشا أنفسهم لعاقبة؛ لأنه لو كان إنشاؤه إياهم لأنفسهم وللفناء الذي ذكر في قوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} لكان يتركهم على حالة واحدة ولا يحولهم من حال إلى حال، فإذا حولهم وقلبهم من حال إلى حال دل أنه لا للموت الذي ذكر خلقهم خاصة بقوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ}؛ ولكن لعاقبة

تقصد، وهو البقاء الدائم لا فناء فيه، وهو ما ذكر: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}.

وقوله: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ}.

أما أهل التأويل فمنهم من قال: نفخ الروح فيه، وهو قول ابن عَبَّاسٍ وغيره.

وقَالَ بَعْضُهُمْ إنبات الشعر ونحوه، وهو قول قتادة وغيره.

وعن الحسن وغيره: ذكر أو أنثى.

وجائز أن يكون قوله: {أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ}: غير ما قال هَؤُلَاءِ، وهو إظهار الجوارح والأعضاء وتركيبها، ما فيه دلالة؛ لأنه أخبر أنه يقلبه شيئا واحدًا مصمتا ليس به هذه الجوارح والأعضاء، إنما يكون فيه آثارها لا أعينها فيركب فيه أعين الجوارح والأعضاء حتى يكون إنسانا، فذلك هو إنشاء خلق آخر، ويكون نفخ الروح ونبت الشعر في تركيب ما ذكرنا، واللّه أعلم.

ومن ينكر خلق الشيء لا من شيء، ويقول بقدم العالم إنما ينكر ذلك؛ لما لم ير في الشاهد صنع شيء لا من شيء، فيقال له: وهل رأيت إنشاء شيء من شيء على إتلاف الأصل حتى لا يبقى له أثر، فإذا لم تر هذا في الشاهد، وقد رأيت في الغائب إنشاء شيء من شيء على إتلاف الأول منه، نحو النطفة تصير علقة على تلف النطفة فيها، والعلقة مضغة على إتلاف العلقة فيها. . . إلى آخر ما ذكر، كل ذلك منشأ من آخر إنما كان بعد تلف الأصل، فهلا دل ذلك على أن عدم الإنشاء في الشاهد لا من شيء لا يدل على عدمه في الغائب، وأنه حيث قدر على هذا يقدر على كله.

وقوله: {فَتَبَارَكَ اللّه أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}.

من الناس من يستدل على أنه إذا لم يكن سواه خالقًا لم يكن لقوله: {أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} معنى؛ كقوله: {أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، و {أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ}، ونحوه، إنما قال هذا لما يكون سواه رحيمًا حكيمًا كريمًا؛ فأخبر أنه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين؛ فعلى ذلك ما قال: {أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}.

ولكن جائز القول بمثل هذا عند الناس على غير إثبات آخر سواه في ذلك حقيقة، وهو يخرج على وجوه:

أحدها: {أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} مما تنسبون أنتم إليه، وتجعلونه خالقًا عندكم؛ كقوله: {فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ}: إبراهيم لم يسم معبودهم الذي عبدوه إلها على جعل الألوهية له، ولكن على ما سموا هم ونسبوا الألوهية إليه، وكذلك قول موسى، حيث قال: {وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا}، على ما عندهم، ليس على تسمية الإله له حقيقة؛ دل ما ذكرنا على أن تسمية ما ذكر وذكره يجوز، وإن لم يكن هنالك سواه إلها خالقًا، وكذلك قوله: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ}: ليس على أن لهم شفعاء يشفعون لهم؛ ولكن لا شفعاء لهم؛ فعلى ذلك ما ذكرنا.

والثاني: تأويل {أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}، أي: لو جاز أن يكون خالق آخر سواه لكان هو أحسن الخالقين، ولكن لا يجوز، وهو كقوله: {لَوْ أَرَادَ اللّه أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} أي: لو جاز أن يتخذ ولدًا لاصطفى مما ذكر، لكن لا يجوز، وكذلك قوله: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا}، أي: لو جاز أن يكون كذا لكان كذا، ليس على أنه يجوز أن يكون، وكذلك قوله: {مَا اتَّخَذَ اللّه مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ. . .} الآية، أي: لو جاز أن يكون معه إله لذهب بما ذكر، لكن لا يجوز؛ فعلى ذلك قوله: {فَتَبَارَكَ اللّه أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}، أي: لو جاز أن يكون هنالك خالق غيره لكان هو أحسن الخالقين، ولكن لا يجوز، واللّه الموفق.

والثالث: ذكر أحسن الخالقين؛ لما أن العرب تسمي كل صانع شيء خالقًا؛ فخرج الذكر لهم على ما يسمونهم، ليس على حقيقة الخلق لمن دونه؛ كقول عيسى حيث قال: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ}، أو أن يكون ذكر هذا القول من يقول: إن العالم أصله من أربع طبائع: من الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة.

أو أن يكون كقول بعض الفلاسفة: إن العالم أصله من أربع أو من خمس: من الماء، والأرض، والنار، وغيره.

فأخبر أنه ليس كذا، ولكن هو خالقهم لا من الأشياء التي توهموا هم.

وعلى قول من يقول: إنه يكون غيره خالقًا لكان الخلق غير دال على الخالق، وقد جعل اللّه الخلق سببًا لمعرفة الخالق، فلو كان غيره خالقًا، لكان الخلق غير دال على معرفة الخالق؛ لأنه قال: {خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ}: أخبر أنه لو كان سواه في ذلك تشابه الخلق عليهم؛ فإذا تشابه لم يكن سببًا لمعرفة، على ما أخبر في إثبات عدد الآلهة؛ كقوله: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} فإذا بطل هذا ولم يجز عدد الآلهة وإثبات الألوهية لغيره، فعلى ذلك

 في الخلق على الوجوه التي ذكرنا.

﴿ ١٤