٢٦وقوله: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ... (٢٦) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: الخبيثات من الكلمات والقول للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلمات والقول، والطيبات من الكلمات للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات. وقال مجاهد: هو القول السيئ والقول الحسن، فالحسن للمؤمنين والسيئ للكافرين. وذلك ما قال الكافرون من كلمة طيبة فهي للمؤمنين، وما قال المؤمنون من كلمة خبيثة فهي للكافرين كل بريء مما ليس له، ونحوه من الكلام. ثم قال: {أُولَئِكَ} يعني: عائشة وصفوان. {مُبَرَّءُونَ} مما يقول أُولَئِكَ القذفة. {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي: حسن؛ فابن عَبَّاسٍ صرف الآية إلى عائشة وصفوان وإلى قذفتهم، وذلك محتمل، وهو قريب من الأول. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، لكن هذا يتوجه إلى النكاح شرعًا ووجودا، أما الشرع: فنهيه المؤمنين عن نكاح المشركات بقوله: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا}، وقوله: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} فالمشركات من الخبيثات فهن للخبيثين منهم، وهم المشركون، وكذلك الزانيات للزناة منهم، والمؤمنات هن الطيبات فهن للمؤمنين، وكذلك المحصنات الغافلات هن الطيبات فهن للمحصنين من أهل العفاف والصلاح؛ هذا هو الشرع. وأما الوجود: فهو ما صبر أزواج المنافقين والكفرة على كفر أزواجهن، والسب لرسول اللّه، والأذى له، وذلك لخبثهن وكفرهن، وموافقة أزواجهن، فلو كن طيبات لكُنَّ لا يصبرن على ذلك كما لا تصبر المؤمنة بكفر زوجها، والزوج بكفر امرأته، ومن صبر على ذلك إنما صبر لخبثه، فبعضهم لبعض أكفاء: الخبيثات للخبيثين والخبيئون للخبيثات، وكذلك الطيبات والطيبون، واللّه أعلم. وعن عبد اللّه بن مسعود - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - قال: " إن الكلمة الخبيثة لتكون في جوف الرجل الصالح فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الخبيث فيضمها إلى ما عنده من الشر، وإن الكلمة الصالحة لتكون في جوف الرجل الخبيث فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الصالح، فيضمها إلى ما عنده من الخير. ثم تلا عبد اللّه {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ. . .} الآية. وجائز أن يكون الخبيئات هي الدركات التي تكون في النار للذين عملوا أعمالا خبيثة في الدنيا، والطيبات هي الدرجات التي تكون في الجنة للطيبين الذين عملوا في الدنيا أعمالا طيبة، فالدرجات في الجنة للطيبين الذين عملوا الطيبات في الدنيا، والدركات في النار للذين عملوا الخبائث والمعاصي في الدنيا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} إلى قوله: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللّه هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} أُنزلت في المنافقين الذين قذفوا عائشة: عبد اللّه بن أبي وأصحابه، وكان قذفها منافقون ومؤمنون، وهو ما ذكرنا لم يقصدوا به قذفها، ولكن كان ذلك زلة منهم أو غفلة، وأمَّا المنافقون فقد قصدوا به القذف والفرية؛ فأوجب للمنافقين الحد واللعن والعذاب العظيم على ما ذكر {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ولهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، وأمّا المؤمنون فقال لهم: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. وقَالَ بَعْضُهُمْ: فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن، أي: لولا ذلك لعذبكم كما عذب أُولَئِكَ. ثم قال: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس نحو ما ذكر أُولَئِكَ إلا أنه زاد فيه من القول والعمل، وذلك كله قريب بعضه ببعض، واللّه أعلم بذلك. وقال: إن الرجل الصالح يتكلم بالكلمة العوراء فيقول القائل: قال فلان: كذا وكذا، فيقول الآخر: ما هذا من كلام فلان. وروي عن كعب بمثل قِيلِ عبد اللّه بن مسعود، فقال: إن الكلمة الخبيثة تخرج من لسان العبد فتصعد إلى السماء فلا يفتح لها أبواب السماء، وترجع إلى الأرض فلا تجد لها مستقرًّا، وتذهب إلى البحور فلا تجد لها فيها مكانًا، فتقول: ما أجد لي موضعًا أسكنه غير الموضع الذي خرجت منه، فترجع إلى صاحبها. ثم تلا كعب هذه الآية: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ. . .} الآية. |
﴿ ٢٦ ﴾