٧٣

وقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)

قَالَ بَعْضُهُمْ: يقول: إذا ذكروا بآيات ربهم لم يصموا عن الحق ولم يعموا؛ قال: هم - واللّه أعلم - قوم عقلوا عن اللّه، وانتفعوا بما سمعوا من كتاب اللّه.

وقال الحسن: من يقرؤها بلسانه يخر عليها أصم وأعمى؛ كأنه يخبر أن أُولَئِكَ - أعني: أهل صفوة اللّه وإخلاصه - لم يخروا على تلك الآيات صُمًّا ولا عميانا كالكفرة العندة، ولكن خروا عليها متذكرين ومتفقهين متيقظين، عالمين بما فيها، عاملين؛ كقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّه وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ. . .} الآية.

وقوله: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا}: فَإِنْ قِيلَ: أخبر هاهنا أنه يضاعف له العذاب، وقال في آية أخرى: {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا}، فما معنى الضعف هاهنا؟

قيل: يحتمل هذا وجهين:

أحدهما: أنه يضاعف العذاب للذين تقدم ذكرهم إذا كفروا باللّه بعدما بلغوا المبلغ

الذي وصفهم والرتبة التي ذكر، وهو قوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} الآية: أن واحدا منهم إذا كفر يضاعف له العذاب؛ يتضاعف عذابه على قدر منزلته ومرتبته عند اللّه، وعلى قدر نعم اللّه عليه إذا كان منه عصيان وكفران لذلك، وهو كما قال لرسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ). أي: ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، وما ذكر - أيضًا - لأزواجه حيث قال: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}، كل من كان أعظم قدرًا وأكثر نعمًا عليه، فعقوبته إذا عصى ربه أكثر وأشد من الذي لم يبلغ ذلك ولا تلك الرتبة، فيكون ضعف غيره وجزاء مثله.

والثاني: أن يكون ذلك للأئمة -أعني: الكفرة والرؤساء- دون الأتباع؛ لأنهم عملوا هم بأنفسهم ودعوا غيرهم إلى ذلك؛ كقوله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ}.

أو أن يكون ذلك لهم العناد الذي كان منهم والمكابرة.

ثم استثنى من تاب منهم، فقال: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا. . .} الآية، في الذين قال: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}، فكان فيه دلالة قبول توبة المرتد إذا تاب ورجع إلى الإسلام؛ حيث استثنى من تاب منهم.

وقوله: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللّه سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}: هذا يحتمل وجهين:

أحدهما: يوفقهم اللّه إذا تابوا وندموا على ما فعلوا من السيئات في الدنيا؛ حتى يعملوا مكان كل سيئة عملوها حسنة؛ فذلك معنى تبديل اللّه سيئاتهم حسنات، أي: يوفقهم على ذلك.

والثاني: يبدل اللّه سيئاتهم حسنات في الآخرة؛ لما كان منهم الندامة والحسرة على كل سيئة كانت منهم في الدنيا، وعلى ذلك روي عن أبي هريرة قال: " ليأتين أقوام يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات، فقيل له: يا أبا هريرة، ومن هم؟ قال: هم الذين يبدل اللّه سيئاتهم حسنات "؛ وكأنه روي مثله عن عبد اللّه بن مسعود.

وقوله: (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللّه مَتَابًا (٧١) لا يرجع عنها أبدًا، وعلى ذلك يخرج قوله: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}، على الأمر؛ دليله قوله حيث قال: {خَفَّفَ اللّه عَنْكُمْ} الآية.

والثاني: أن يكون ذلك لقوم خاص، علم اللّه أنهم إذا تابوا توبة لا يرجعون عنها أبدًا،

وإلا ليس كل من تاب يكون على توبته أبدًا.

وقوله: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ}: قد ذكرناه، {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}: قد ذكرناه أيضًا.

وقَالَ بَعْضُهُمْ: إذا أوذوا صفحوا.

وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنهم كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح أو غيره كنوا عنه.

وقال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: {يَلْقَ أَثَامًا} أي: عقوبة، الآثام: العقوبة.

وقوله: {مَرُّوا كِرَامًا} أي: لم يخوضوا فيه، وأكرموا أنفسهم عنهم.

{صُمًّا وَعُمْيَانًا} أي: لم يتغافلوا عنها.

وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنهم إذا وعظوا بالقرآن لم يخروا عليها صُمًّا وعميانًا عند تلاوة القرآن، فلا يسمعون ولا يبصرون، ولكن يخرون عليها سمعًا وبصرًا؛ وهو واحد.

﴿ ٧٣