٢٢وقوله: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) أي: لم يمكث طويلا حتى جاءه. وفي حرف ابن مسعود: (فمكث غير بعيد ثم جاءه). {فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ}: كأنه سأله: أين كنت؟ فقال عند ذلك له: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ}. وفي حرف أبي: (أحطت بما لم تحط به أنت ولا أحد من جنودك)، أي: بلغت ما لم تبلغ أنت، أي: علمت ما لم تعلم أنت ولا أحد من جنودك. ثم قال: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}: لا شك فيه؛ فكأنه سأله عن ذلك النبأ، فقال عند ذلك - واللّه أعلم -: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} يؤتى الملوك على ما ذكرنا في قوله: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ}. ثم العجب من أمر بلقيس أن كيف خفي خبرها وأمرها على سليمان كل ذلك الخفاء، وكانت بقرب منه، وكانت ملكة جبارة ذات سلطان وملك، وكان يذهب في كل غدو مسيرة شهر، وفي كل رواح كذلك، كيف لم يطلع على أمرها وخبرها؟! وكانت الجن والشياطين مسخرين له ومذللين، يعملون له الأعمال الصعبة الشديدة، ويطوفون في الآفاق والأفق، وكان هو بعث إلى الدعاء إلى توحيد اللّه، كيف خفي عليه أمرها وخبرها كل هذا الخفاء، حتى أخبره بذلك الهدهد؟! هذا - واللّه أعلم - أمر عجيب، ومن عادة الملوك -أيضًا- أنهم يطلع بعضهم على أمور بعض، ويعلم بأحواله. لكن يحتمل خفاء خبرها عليه لما لا يتجاسر كل أحد أن يكلمه في ذلك، وأن يعلمه عن حالها - وإن كان لا يعلم هو ذلك - إلا بعد السؤال وطلب الخبر؛ تعظيمًا له وإجلالا؛ وهكذا الملوك ليس يتجاسر كل أحد أن يخبره عن كل أمر وخبر إلا بعد السؤال إياه؛ تعظيمًا لهم وتوقيرا، فعلى ذلك أمر سليمان مع بلقيس. أو أن يكون لأمر وسبب لم يبلغنا ذلك، ولم نشعر به. وقال بعض أهل التأويل في قوله: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ}: إنما طلبه وتفقده؛ لأن الطير كانت تظله على رأسه من الشمس، فلما نظر إلى الطير وجد موضع الهدهد خاليا يقع عليه الشمس، فعند ذلك قال: {مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ}. وقالوا في قوله: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا} أي: لأنتفن ريشه حتى تصيبه الشمس، فذلك هو العذاب الشديد، لكن لا نفسر ما ذلك العذاب الشديد الذي أوعده سليمان مخافة الكذب واللّه أعلم. وقوله: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ}: قَالَ بَعْضُهُمْ: غير طويل. وجائز أن يكون: فمكث وقتا يأتي في مثله مَن كان غير بعيد؛ لأنه إنما يعبر به عن المكان لا عن الوقت في الظاهر. فقال: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} كأنه يريه المناصحة له والشفقة، يقول: أتيتك من العلم والخبر ما لم تأت أنت ولا أحد من - جنودك، فكيف تعذبني؟! وفي حرف عبد اللّه: (فمكث غير بعيد ثم جاءه). قال أبو معاذ: مكَث: بنصب الكاف ورفعها مكُث لغتان. وقوله: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}: قَالَ بَعْضُهُمْ: حق لا شك فيه، أي: عند الهدهد، وأما عند سليمان فلا؛ ألا ترى أن سليمان قال له: {قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}، وقف في خبره لينظر أصدق ما يقول أم كذب؟ وقَالَ بَعْضُهُمْ: {بِنَبَإٍ يَقِينٍ} أي: عجيب. ثم اختلف في قوله: {مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ}؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: سبأ: اسم رجل تنسب القرية إليه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: اسم بلدة. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: سبأ: أبو اليمن. فمن جعلها اسم بلدة لم يجر، ومن جعلها اسم رجل جره، واللّه أعلم. |
﴿ ٢٢ ﴾