٥٠

وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ... (٥٠)

يحتمل هذا وجهين:

أحدهما: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ}، أي: ضمنت أجورهن وقبلت؛ ويكون الإيتاء عبارة عن القبول والضمان؛ وذلك جائز نحو قوله: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}، هو على القبول، تأويله: فإن تابوا وقبلوا إيتاء الزكاة؛ فخلوا سبيلهم، هو على القبول والضمان ليس على فعل الإيتاء نفسه؛ إذ لا يجب إلا بعد حولان الحول، وكذلك قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللّه. . .}، إلى قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ}، ليس على نفس الإعطاء؛ ولكن حتى يقبلوا الجزية؛ إذ الإعطاء إنما يجب إذا حال الحول؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: {آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ}، أي: قبلت أجورهن وضمنت.

والثاني: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي} هن لك إذا {آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ}، أي: قبلت؛ معناه: إنا أحللنا لك إبقاءهن إذا آتيت أجورهن.

وفيه دلالة: أن المهر قد يسمى أجرًا؛ فيكون قوله: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، أي: مهورهن؛ فيكون الاستمتاع بهن استمتاعًا في النكاح؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون قوله: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}؛ فيكون الخلوص له بلا أجر لا بلفظة " الهبة "؛ لأنه ذكر على أثر ذكر حل أزواجه بالأجر؛ كأنه قال: إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن، وأحللنا لك -أيضًا- امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها بلا أجر خالصة لك من دون المؤمنين بغير أجر؛ لأن خلوص الشيء إنما يكون إذا خلص له بلا بدل ولا مؤنة، فأما أن يكون الخلوص بلفظة دون لفظة فلا.

وبعد فإنه قد ذكر في آخر الآية ما يدل على ما ذكرنا؛ وهو قوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ}؛ دل هذا أن خلوص تلك المرأة له بـ " قد. . . "؛ فإن ذكر هذا له خرج مخرج الامتنان عليه؛ فلا منة له عليه في لفظة " الهبة "، ليست تلك في لفظة " التزويج "، يقول مكان قوله: {وَهَبَتْ}: " زوجت "؛ دل أن المنة له عليه فيما صارت له بلا مهر، لا في لفظة " الهبة ".

أو أن يكون قوله: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} في الآخرة، أي: لا تحل لأحد سواك إذا تزوجتها وصارت من أزواجك، فأما أن يفهم من قوله {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} بلفظة " الهبة " فلا؛ إذ لا فرق بين أن تقول: " وهبت "، وببن أن تقول: " زوجت ".

وبعد: فإن كثيرًا من الصحابة وأهل التأويل، من نحو: عبد اللّه بن مسعود، وابن عباس وغيرهما - رضي اللّه عنهم - لم يفهموا من قوله: {خَالِصَةً لَكَ} بلفظة دون لفظة، حتى روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - أنه قال في قوله: {إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ}: " هن الموهوبات "، فما بال الشافعي في فهم ذلك ما ذكر؟!

وبعد فإنه ليس من عقد إلا وهو يحتمل الانعقاد بلفظة " الهبة " من البياعات والإجارات وغيرها؛ فعلى ذلك النكاح، واللّه أعلم.

وقوله: {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ}.

أي: قد أحللنا لك ما ملكت يمينك، وأحللنا لك أيضًا، {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ}.

ثم جائز أن يكون حل بنات من ذكر من الأعمام والأخوال للناس بهذه الآية؛ لأنهن لم يذكرن في المحرمات في سورة النساء؛ فيكون ذكر حلهن لرسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ذكرًا للناس كافة، كما كان ذكر حل نكاح حليلة زيد بن حارثة له حلا للناس في أزواج حلائل التبني؛ حيث قال: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ}؛ فعلى ذلك الأول.

أو أن يكون معرفة حل نكاح بنات الأعمام والعمات ومن ذكر بقوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}، إذ ذكر المحرمات في الآية على إبلاع: ما كان بنسب، وما كان بسبب، ثم قال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}؛ فيكون ما وراء المذكورات محللات بظاهر الآية، إلا ما كان في معنى المذكورات في الحرمة، واللّه أعلم.

وقوله: {اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ}.

لم يفهم أحد من قوله: {هَاجَرْنَ مَعَكَ}: الهجرة معه حتى لا يتقدمن ولا يتأخرن؛ بل دخل في قوله: {مَعَكَ} من هاجر منهن من قبل ومن بعد، واللّه أعلم.

وقوله: {مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ}.

قَالَ بَعْضُهُمْ: ما فرضنا على الناس، {فِي أَزْوَاجِهِمْ}، وهن أربع نسوة لا تحل الزيادة على الأربع، {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}، وهي الجواري والخدم يجوز الزيادة على ذلك وإِن كثرن.

وقَالَ بَعْضُهُمْ: كان مما فرض اللّه ألا يتزوج الرجل إلا بولي ومهر وشهود، إلا النبي خاصة؛ فإنه يجوز له أن تهب المرأة نفسها بغير مهر وبغير ولي، واللّه أعلم.

وقوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ}، {فَرَضْنَا}: أي بينا ما يجوز وما لا

يجوز، أي: بين ذلك كله في الأزواج.

أو {فَرَضْنَا}: أوجبنا عليهم في أزواجهم من الأحكام والحقوق ونحوها، واللّه أعلم.

﴿ ٥٠