٢٩

وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللّه وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)

يحتمل ما ذكر من تلاوة الكتاب هاهنا، ما ذكر في آية أخرى قال: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} وأقاموا فيها من الأمر بالصلاة والأمر بالزكاة.

أو أن يكون قوله: {يَتْلُونَ كِتَابَ اللّه} أي: يتبعون كتاب اللّه فيما فيه مما لهم ومما عليهم، يتبعون كله من الإقدام على الحلال والاجتناب على الحرام، والمشفقون بكتاب اللّه هم الذين اتبعوا ما فيه من إقامة الصلاة وإنفاق ما رزقوا، فأما من تلا ولم يتبع ما فيه فكأنه لم يتل، وهو كما نفى عنهم هذه الحواس من البصر والسمع واللسان وغيره؛ لتركهم الانتفاع بها وإن كانت لهم تلك الحواس حقيقة، وأثبتها للمؤمن لما انتفع بها وإن لم تكن له تلك حقيقة؛ فعلى ذلك يحتمل الأول، واللّه أعلم.

وقوله: {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً}.

يحتمل قوله: {سِرًّا وَعَلَانِيَةً} في كل حال وكل وقت لا يتركون الإنفاق على كل حال؛ كقوله: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ أي: ينفقون على كل حال. ويحتمل: فلينفقوا مما رزقناهم {سِرًّا وَعَلَانِيَةً}، أي: يتصدقون الصدقة ظاهرًا وباطنًا، أي: ما ظهر للناس وعلموا به، وما خفي عنهم واستتر؛ لما قصدوا بها وجه اللّه لا مراءاة الخلق، فمن كان قصده بالخيرات وجه اللّه لا مراءاة الخلق، فعلمهم به وجهلهم سواء، لا يمتنع عن ذلك أبدًا، واللّه أعلم.

﴿ ٢٩