٤٢

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)

جائز أن يكون لما قال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} دعا عند ذلك أن يكشف عنه البلايا التي مسته، كأنه قال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} فاكشف ذلك عني {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ويدلك على ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} دل هذا على أن قد كان منه دعاء وسؤال في كشفه الضر عنه، فاستجاب اللّه دعاءه، فعند ذلك قال: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} جائز أن يكون لما ضرب برجله الأرض وركضها نبع منها عينان: إحداهما للاغتسال فيها والأخرى للشرب منها، فكانت التي للشرب منها ماؤها بارد على ما يوافق الشرب ويختار ذلك، والأخرى ماؤها ما يوافق الاغتسال وهو دونه في النزول على ما قاله أهل التأويل عامة؛ كقوله - عز وجل -: {جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ}، وإنَّمَا السكون فيما يسكن وهو الليل والابتغاء بالنهار.

وجائز أن يكون العين واحدة إلا أنه لما اغتسل منها كان ما يوافق الشرب.

قال بعض أهل التأويل: كان به البلاء بظاهر الجسد وبباطنه: فما كان بظاهره ذهب بالاغتسال، وما كان بباطنه ذهب بالشرب، واللّه أعلم.

ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ - لرسوله - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ}.

أي: اذكر صبره كيف صبر على البلاء من اللّه - عَزَّ وَجَلَّ - بأنواع الشدائد والبلايا، فاصبر أنت إذا ابتليت بشيء من البلايا، وعلى ذلك يخرج جميع ما ذكر في هذه السورة، وأمره أن يذكرهم بالذي ابتلاهم من الشدائد أن كيف صبروا له على ذلك، ومن امتحنهم بالسعة والملك يقول: أن اذكر لهم كيف شكروا ربهم وأطاعوه، واللّه أعلم.

﴿ ٤٢