١٥وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ... (١٥) و {حُسْنًا}؛ كأنه قال: أمرنا الإنسان أن يحسن إلى والديه، فالحسن: هو اسم ما يقع بهم من البر، وهو المفعول، والإحسان هو اسم فعله الذي يفعل بهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا}، وقال في آية أخرى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ}، وقال في آية أخرى: {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا}، أي: إنها في أول ما حملت أحملت، حملا خفيفًا، فلما كبر أثقلت، وهو وصف الولد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ}، وذلك في الأم؛ لأنها لا تزال تضعف وتوهن من أول ما حملت إلى آخر ما وضعت. وقوله - تعالى -: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} في أول ما تحمل تجد كراهة في نفسها إلى وقت وضعها. والثاني: يشبه أن يكون على الجمع في الأم دون الولد على اختلاف الأحوال، وهو في الابتداء يخف عليها الحمل، ويثقل ذلك عليها إذا دنا وقت وضعها، وما ذكر من الوهن فهو ما ذكرنا أنها لا تزال تزداد ضعفًا فيها ووهنًا من أوّل حملها إلى وقت وضعها، وما ذكر من الكراهة فهو إذا تم حملها شق ذلك عليها، وكذلك الوضع، لا شك أن ذلك يشق عليها. والتأويل الأوّل على التفريق في حال يرجع الوصف إلى الولد، وفي حال إلى الوالدة، والثاني يرجع ذلك كله إلى وصف الأم، وعلى التأويلين حصل التوفيق بين الآيات؛ لرجوعها إلى اختلاف الأحوال، فأمكن الجمع بين الكل في أحوال، والاختلاف إنما يكون في حال واحد، واللّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - حملته أمه كرهًا؛ أي: بمشقة، ووضعته بمشقة، ثم وضعته على تمام ستة أشهر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الآية نزلت في الحسن أو الحسين - رضي اللّه عنهما - وضعته أمه على ما ذكر في المدة. ثم منهم من يقول: الآية وإن نزلت في نازلة بعينها، لكن ما ذكر من الحكم فذلك في كل إنسان، وهو أن يكون الولد ثابت النسب من الأب بهذه المدة، فإنه روي عن عمر - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - أنه أُتي بامرأة وضعت في ستة أشهر، فأراد أن يرجمها، فقال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - يا أمير المؤمنين، إن اللّه - تعالى - قد جعل في كتابه مخرجًا؛ قال اللّه - تعالى -: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}، وقال: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} ستة أشهر لحملها، ورضاعه سنتين، فأخذ بقول ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - ودرأ عنها الرجم. وكذلك روي عن عثمان - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - أنه أُتي بامرأة وضعت لستة أشهر، فهمّ أن يرجمها، فقال له ابن عَبَّاسٍ: أما إنها لو خاصمتكم بكتاب اللّه خصمتكم، ثم تلا هذه الآية. وكذلك ذكر عن علي - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - أن عثمان - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - لما أمر برجم المرأة التي وضعت لستة أشهر، فسمع علي - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - فأتى عثمان - رضي اللّه عنه - فقال له: ما صنعت؟ فقال له عثمان - رَضِيَ اللّه عَنْهُ -: وهل تلد المرأة الولد التام لستة أشهر؟ قال: نعم، ثم تلا عليه هذه الآية. فهَؤُلَاءِ الصحابة - رضي اللّه عنهم - قد رأوا الآية في كل امرأة وضعت لتلك المدة في حق ذلك الحكم الذي ذكر، واللّه أعلم. ثم روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - قال: إذا وضعت المرأة لستة أشهر أرضعته حولين كاملين؛ لأن اللّه - تعالى - يقول: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} وإذا وضعت لسبعة أشهر أرضعته ثلاثة وعشرين شهرًا، وإذا وضعته لتسعة أشهر، أرضعته أحدًا وعشرين شهرًا، فعلى قياس هذا جائز أنها إن وضعته لسنتين أن يكفي رضاع ستة أشهر، يزاد وينقص على ذلك القدر؛ ألا ترى أنه روي أن المرأة التي حملت سنتين ولدت وقد ثبتت له سنتان؛ فمثل هذا الولد لا يحتاج من الرضاع ما يحتاج الذي ولد لستة أشهر؛ لذلك كان ما ذكرنا. ثم إذا احتمل النقصان عن الحولين؛ لما ذكرنا جازت الزيادة على الحولين؛ على ما قال أبو حنيفة - رحمه اللّه - لأن ما ذكر من الحولين إنما هو رضاع أقل الحمل، وهو ستة أشهر؛ لأن الذي ولد لستة أشهر كان إلى الاغتذاء بالطعام أبعد من الذي ولد لتسعة أشهر؛ لضعفه في نفسه، والذي ولد لتسعة أشهر فهو إلى الاغتذاء بالطعام أقرب منه، والذي ولد لسنتين هو أقرب إلى الاغتذاء بالطعام من المولود لتسعة أشهر؛ لقوته وقلة حاجته إلى الغذاء باللبن، فإذا كان قوله - تعالى -: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}، هو أقل رضاع يكون؛ لأنه ذكر للمولود لأقل الحمل؛ حيث قال: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} قال: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}، فإذا كان أقل احتمل الزيادة التي ذكر أبو حنيفة - رحمه اللّه - وهو ستة أشهر على السنتين، كما يصير رضاع أكثر الحمل ستة أشهر، واعتبر في الباب إلى قوة الولد، واحتمال الغذاء بالطعام، وعدم الاحتمال، واللّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. . .} إلى آخر ما ذكر. دلت هذه الآية على أن الآية التي ذكرنا نزلت في نازلة؛ حيث أخبر أنه إذا بلغ ذلك المبلغ قال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ. .} الآية. ثم قوله - تعالى -: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} ذكر أوّل ما يشتد عقله، ويدخل في القوة إلى الوقت الذي يكون على الزيادة، فإذا جاوز ذلك الوقت يأخذ في الانتقاص، وهو أربعون سنة. وقال أهل النأويل: بلوغ الأشد هو ثماني عشرة سنة إلى أربعين، وهو ما ذكرنا: أنه أول وقت دخوله في الزيادة والقوة إلى الوقت الذي إذا بلغ ذلك يأخذ في النقصان، واللّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} دل قوله: {وَعَلَى وَالِدَيَّ} على أن على الرجل شكر ما أنعم على والديه وأحسن إليهما كما يلزمه شكر ما أنعم عليه؛ لما يكون بدء إسلام الأولاد الصغار بالوالدين وما لهما من النعم يصل نفعها إليهم - أيضًا - فيلزمهم شكر ما أنعم عليهم بالإيمان والنعم في وقته. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} هذا على كل مسلم أن يدعو بمثل هذا الدعاء، يسأل ربه التوفيق على عمل صالح يرضاه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي} هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: أصلح لي ذريتي؛ على طرح حرف (فِي) منه؛ كقوله: {هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً}، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)، واللّه أعلم. ثم قوله - تعالى -: {أَوْزِعْنِيَ}: ألهمني. وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه سأل ربه أن يوزعه شكر ما أنعم عليه، ومن قولهم أن ليس على المرء الشكر إلا بعد إعطاء جميع ما به يشكر حتى لا يبقى عنده مزيد؛ فيكون مثل هذا الدعاء من العباد ردًّا على قولهم؛ لأنهم يسألون ما يعلمون أن ليس عنده ذلك، وأنّه لا يملكه، وكذلك قوله: {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللّه}، ومن قولهم أنه ليس عنده ما يغيثه، فيخرج دعاؤهم على ما ذكرنا على مذهبهم، وباللّه العصمة. |
﴿ ١٥ ﴾