٣٠وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠). هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على تحقيق القول من اللّه - تعالى - لجهنم: {هَلِ امْتَلَأْتِ}، وعلى تحقيق القول من جهنم والإجابة له: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ}، وذلك جائز أن ينطق اللّه - تعالى - جهنم حتى تجيب له بما ذكر {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} على ما ذكرنا من شهادة الجوارح عليهم، والنطق منها للكل، حتى أجابت الجوارح لهم لما قالوا: {لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللّه الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}، وعلى ذلك ما ذكرنا في قوله - تعالى -: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ}، ونحو ذلك، ومثل هذا غير مستنكر في العقول على تقدير إحداث الحياة فيها التي هي شرط النطق عن علم، واللّه أعلم. والثاني: على التمثيل، لا على تحقيق القول لها: {هَلِ امْتَلَأْتِ} على تحقيق الإجابة منها {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} ولكن على التمثيل؛ لوجهين: أحدهما: أي: إن جهنم لو كانت بحيث تنطق وتسمع وتعلم لو قلت لها: {هَلِ امْتَلَأْتِ}، فتقول: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ}؟ يخبر عن انقياد المخلوقات له والطاعة والإجابة، وهو ما ذكرنا في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}، لا يكون من الدنيا حقيقة التغرير قولا ولا فعلا، ولكن معناه: إنها بحال من التزين وما فيها من الشهوات لو كان لها تمييز وعقل لغرتهم، واللّه أعلم. والثاني: وصف لها بالعظم والسعة، وإخبار عن أنها تحتمل المزيد، وإن جمع من الكفرة ما لا يحصى، على التمثيل، وهو كقوله - تعالى -: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللّه}، وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}، وصف لها بالتزين والحسن الظاهر ما لو لم يتأمل الناظر فيها العاقبة لاغتر بها من حسنها وزينتها؛ فعلى ذلك هذا، واللّه أعلم. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} يخرج على وجهين: أحدهما: هل بقي من أحد يزاد فيَّ فإني قد امتلأت، وليس فيَّ سعة تحتمل غيرهم. والثاني: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} أي: فيَّ سعة عظيمة، فهل من زيادة خلق أمتلئ بها؟ لأن اللّه - تعالى - وعد أن يملأ جهنم، كما قال: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}، فتسأل المزيد من ربها لتمتلئ، واللّه أعلم بذلك. وقال بعض أهل التأويل بأنها تسأل الزيادة حتى يضع الرحمن قدمه فيها فتضيق بأهلها حتى لا يبقى فيها مدخل رجل واحد، وروي خبر عن أبي هريرة - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في ذلك، وأنه فاسد، وقول بالتشبيه، وقد قامت الدلائل العقلية على إبطال التشبيه، فكل خبر ورد مخالفًا للدلائل العقلية يجب رده، ومخالف لنص التنزيل، وهو قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ثم هذا القول على قول الشبهة -على ما توهموا- مخالف للكتاب؛ لأن اللّه - عَزَّ وَجَلَّ - قال: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}، وعندهم لا تمتلئ بهم ما لم يضع الرحمن قدمه فيها. ثم ذكر البلخي أن مدار ما ذكروا من الحديث على حماد بن سلمة، وكان خرفًا مفندًا في ذلك الوقت لم يجز أن يؤخذ منه، مع ما روي في خبر أنس - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - عن رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " يأتي اللّه - تعالى - ببشر فيضع في النار حتى تمتلئ " فهذا يحتمل، لا ما رووا، واللّه الموفق. |
﴿ ٣٠ ﴾