٤٨

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨).

دل هذا الحرف أن النبي - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قد كلف أمرا شديدًا شاقًّا عليه حتى قال: {وَاصْبِرْ}؛ إذ الأمر بالصبر لا يكون إلا في أمور شاقة شديدة؛ ولذلك قال له: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}، أمره بالصبر على ما كلفه، كما صبر إخوانه على ما لحقهم من الأمور الشاقة، وما قال {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللّه}، أخبر أنه لو صبر إنما يصبر بتوفيق اللّه إياه، أو فيه: أنه إذا صبر يكون صبره للّه تعالى؛ حتى يسهل عليه احتمال ذلك، واللّه أعلم.

ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {لِحُكْمِ رَبِّكَ}، يحتمل وجوها:

أحدها: ما أمر من تبليغ الرسالة إلى الفراعنة الذين كانت همتهم القتل لمن خالفهم، فذلك أمر شديد؛ فأمره بالصبر على ذلك، والتبليغ إلى أُولَئِكَ.

والثاني: أمره بالصبر على أذاهم واستهزائهم به، وترك المكافأة لهم.

ويحتمل أن يكون الأمر بالصبر على الأمور التي كانت عليه في خالص نهيه من احتمال غصة التكذيب، وحزنه على تركهم التوحيد والإيمان، وإنما ذلك كله حكم اللّه تعالى.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}.

أي: بمنظر وعلم منا، فإن كان الأمر بالصبر على القيام بتبليغ الرسالة إلى من ذكرنا؛ فيخرج قوله: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} مخرج وعد النصر والمعونة؛ كقوله تعالى: {وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}.

وإن كان الأمر بالصبر على ترك مكافأتهم، أو على القيام بالأمور التي فيما بينه وبين ربه تعالى؛ فيصير كأنه قال: على علم منا بما يكون منهم من التكذيب والاستهزاء والأذى، كلفناك، لا عن جهل منا بذلك، واللّه أعلم.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}.

أي: نزهه عن معاني الخلق، وعما لا يليق، واذكر الثناء عليه بما هو أهله.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {حِينَ تَقُومُ}.

يحتمل: حين تقوم من مجلسك، أو من منامك، أو حين تقوم للتعيش والانتشار.

فإن كان المراد: حين تقوم من مجلسك؛ فيكون التسبيح ما ذكر في الخبر عن رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " من جلس مجلسا كثر فيه لغطه، فليقل قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللّهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك " ولم يذكر الآية.

وإن كان المراد: حين تقوم من منامك، فجائز أن يكون المراد منه: الصلاة.

وإن كان حين تقوم للانتشار والتعيش؛ فيصير كأنه أمر بالتسبيح بالنهار في وقت الانتشار؛ وعلى هذا قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ} أي: سبح بالليل في وقت الراحة، فيصير كأنه قال: وسبح بحمد ربك في الأوقات كلها، بالليل والنهار، في وقت الراحة، وفي وقت الانتشار.

وروى الضحاك عن عمر - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - أنه قال: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} تقول في الصلاة المفروضة قبل أن تكبر: " سبحانك اللّهم وبحمدك. . . " إلى آخره.

وروى الضحاك: أن النبي - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان إذا دخل في الصلاة، قال ذلك؛ وذلك قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ}.

وروى أبو سعيد وعائشة - رضي اللّه عنهما - عن النبي - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: " سبحانك اللّهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك ".

وروي عن مجاهد أنه قال: حين تقوم من كل مجلس، واللّه أعلم.

﴿ ٤٨