٢٢وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللّه يَسِيرٌ (٢٢) أي: ذكرها في كتاب، كان ذلك الكتاب قبل أن نبرأ المصائب، أي: نخلقها؛ إذ لا يحتمل كون أنفس تلك المصائب في الكتاب قبل خلقها؛ فدل على كون ذكر المصائب فيه، وهو كقوله: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ}، وليست الشجرة في القرآن، ولكن ذكرها فيه من ذلك ما روي في الخبر أنه " نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو "، أي: نهى أن يسافر بالذي كتب فيه القرآن، وإلا لم يكن عين القرآن في ذلك المصحف؛ فعلى ذلك ما ذكر من المصائب، وذلك يخرج على المجاز دون الحقيقة، واللّه أعلم. ثم اختلف في قوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا}: منهم من قال: من قبل أن نخلق تلك المصائب. ومنهم من قال: من قبل أن نبرأ تلك الأنفس والأرض؛ والأول أصح. وقوله: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللّه يَسِيرٌ} يخرج على وجهين: أي: كثرة ما يصيب الخلق في أنفسهم وأموالهم يسير على اللّه، غير شديد عليه، ليس كملوك الأرض؛ لأن ما يصيب حشمهم وخدمهم من المصائب يشتد عليهم؛ لما أن قوامهم بحشمهم وخدمهم، ولهم منافع فيهم، واللّه يتعالى بذاته، ليس له في بقاء الخلق منفعة، ولا في ذهابهم وفنائهم ضرر، فذلك يكون عليه يسير. والثاني: أن كتابه لم يكن بعد ولم يخلق، وعلمه قبل كونه على اللّه يسير هين، يخبر أنه عالم في الأزل بكون الأشياء في أوقاتها، لا يصعب عليه، ولا يشتد العلم بها قبل كونها وقبل ظهورها كما يشتد على الخلق ويصعب عليهم، واللّه أعلم. وفي الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأن اسم المصائب يقع على ما للخلق فيه صنع كما يقع على ما لا صنع لهم فيه، ثم أضاف اللّه تعالى خلقها إلى نفسه مطلقا بقوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا}، دل أن أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى؛ ألا ترى أن اللّه تعالى سمى ما يصيب بأيدي الخلق: مصيبة، فقال: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللّه بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا}، وقال في آية أخرى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّه بِأَيْدِيكُمْ. . .} الآية. قالت المعتزلة: يقال: أصابنا كذا فيما لا صنع للخلق في ذلك، فأما ما فيه، صنع للخلق يقال: " أصبنا ". لكن هذا فاسد؛ فإنه جائز أن يقال في كل ما أصابك: أصبته، وما أصبته أصابك؛ لأنه إذا أصابك شيء فقد أصبته، وذلك جائز في اللغة، واللّه أعلم. |
﴿ ٢٢ ﴾