٢٨وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ} يقول بعض أهل التأويل: يَا أَيُّهَا الذين آمنوا بعيسى ابن مريم آمنوا بمُحَمَّد - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. ولكن هذا ضعيف؛ لأن الإيمان برسول من الرسل إيمان بجميع الرسل عليهم السلام. وتأويل الآية: يَا أَيُّهَا الذين آمنوا بالرسل جملة على غير الإشارة والتفسير، آمنوا برسول اللّه مُحَمَّد - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على الإشارة به؛ لأن الإيمان بالرسل على غير الإشارة أمر سهل وإنَّمَا يصعب الإيمان به ويشتد بالإشارة إلى واحد؛ لأنه لما آمن بالمشار إليه، لزمه اتباع أمره، ونهيه، ولزمه موالاة من والاه واتبعه، ويلزمه معاداة من عاداه وخالفه في أمره ونهيه وترك اتباعه، وإن كان له أبناء وآباء، وذو إحسان، يجب أن يكون أحب الناس إليه وأقرب وأبر، فهذه معاملة الرسول الذي آمن به على الإشارة إليه وأنها تشتد في الطلب. وأما عند الإجمال والإرسال فأمر سهل إنما فيه تصديق كل صادق وتكذيب كل كاذب، وكل الناس قد اعتقدوا أصل تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، وليس في الإجمال والإرسال، إلا ذلك، وأما عند التعيين يوجد الامتحان، وبه يظهر نفاق المنافقين وتحقيق المؤمنين المحققين، وذلك قوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللّه أَضْغَانَهُمْ. وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ}، ظهر نفاقهم بما أمروا بالجهاد والخروج معه على الإشارة، وكقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللّه لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}، وقد وعدوا في الجملة أنه لو أعطاهم كذا من فضله لنصدقن، فلما أوتوا ذلك وأمروا بإخراجه أبوا إخراج ذلك عند الإشارة إليه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون تأويله: يَا أَيُّهَا الذين آمنوا بالرسل جملة، آمنوا بهذا الرسول المشار إليه؛ لما يصعب الأمر، ولما يلزم في ذلك معاداة من خالفه وترك اتباعه وإن كان أقرب الخلائق إليه، وكذلك عامل أصحاب رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أقاربهم وأرحامهم لما آمنوا برسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصار عندهم رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أحب إليهم من أنفسهم وآبائهم وأولادهم، وعادوا جميع أقاربهم الذين خالفوا رسول اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وتركوا اتباعه، وفي ذلك آية عظيمة؛ ولذلك فضل إيمان من آمن في أول خروجه عن إيمان من تأخر منهم عن ذلك الوقت، ولا قوة إلا باللّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ}: قوله: {يُؤْتِكُمْ}، أي: يوجب لكم {كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} أي؛ أجرين: أجر الإيمان بالرسل كلهم على الإجمال، وأجر الإيمان بالرسل على الإشارة والتفصيل؛ ذكر هاهنا {كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ}، وقال في آية أخرى: {يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا}، يحتمل قوله: {كِفْلَيْنِ}: مرتين وقوله: {مَرَّتَيْنِ}: كفلين؛ فيكون أحدهما تفسيرًا للآخر. ثم ذكر هاهنا الأجر لهم من رحمته، وذكر هنالك الأجر مطلقا؛ ليعلم أن ما ذكر لأعمالهم من الأجر إنما هو فضل منه ورحمة لا استحقاق على ما ذكرنا، واللّه الموفق. ثم يحتمل ما ذكر من الأجر مرتين يكون مرة في الدنيا، والأخرى في الآخرة كقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ} الآية، وقوله: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً}، واللّه أعلم. ويحتمل أن يكون ما ذكر من الأجر مرتين يكون وعدا في الآخرة، ويكون قوله: {مَرَّتَيْنِ} أي: كفلين، أي: ضعفين، كقوله: {يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ}. ثم قوله: {كِفْلَيْنِ} قال أكثر أهل التأويل: أي: أجرين. وقَالَ بَعْضُهُمْ: حظين، ونصيبين. وجائز أن يكون سماه: كفلا؛ لأنه كفله؛ ألا ترى أن ذا الكفل ذكر إنما سمي به؛ لأنه كان يكفل لفلان، فعلى ذلك جائز تسميته هذا كفلا؛ لأنه يكفل به، واللّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} هذا يخرج على وجهين: أحدهما: النور كناية عما يبصر به ويتضح، والمشي كناية عن الأمور، يقول - واللّه أعلم -: يجعل ما تبصرون به السبيل، ويتضح لكم الأمور، ويزول عنكم الشبه؛ فيكون المشي كناية عن الأمور، والنور كناية عن البصر، واللّه أعلم، وهو كقوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ}، أي: لا سواء، وهو كناية عما ذكرنا ليس بتصريح. والثاني: على حقيقة إرادة المشي، وحقيقة النور، وذلك يكون في الآخرة، كقوله: {يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا. . .} الآية. وقال أهل التأويل: النور هاهنا القرآن، أي: أعطاكم قرآنا يفضي بكم إلى سبيل الخير، واللّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} الغفران من الستر، كأنه يقول: يستر علكيم مساويكم بينكم؛ لأن ذكر المساوي ينقصهم النعم، ويحملهم على الحياء من ربهم. وقوله: {وَاللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ}، أي: يرحمهم، ويخلدهم في جنته. |
﴿ ٢٨ ﴾