٢٣

والرابع: ما ذكرنا في قوله: (هُوَ اللّه الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللّه عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) {الْمَلِكُ} من الملك، أي: ملك كل شيء له، ليس لأحد سواه حقيقة الملك، {الْقُدُّوسُ} قيل فيه بوجهين:

قَالَ بَعْضُهُمْ: القدوس هو المبارك، والبركة اسم كل خير، أي: منه جميع الخيرات، لكن لا يجوز أن يقال للّه - تعالى -: يا مبارك، وإن كان المعنى منه يؤدي إلى أن يأتي منه كل خير؛ لأنه لا يعرف في أسمائه هذا بالنقل، وعلينا أن نسكت عن تسميته بما لم يسم نفسه بذلك؛ لذلك قلنا بأنه لا يجوز التسمي بالمبارك، واللّه الموفق.

والثاني: القدوس هو الطاهر، يعني: هو مقدس عما قالت الملاحدة والكفرة فيه من الولد والشريك.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {السَّلَامُ}.

اختلف في تأويله منهم من قال: سمى نفسه: سلامًا؛ لما هو سالم عن الآفات، وغيره من المخلوقين لا يسلمون من حلول الآفات بهم.

وقال آخرون: سمى نفسه: سلامًا؛ لما سلم المؤمنون من عذابه. والتأويل الأول أقرب.

وقوله: {الْمُؤْمِنُ}.

اختلف الناس في تأويله:

قال قائلون: هو الأمان: أن يؤمن المؤمنين من العذاب، ولا يمكن لأحد أن يؤمن أحدًا من عذابه.

وقال قائلون: أصله من الإيمان: وهو التصديق، ثم ذلك يتوجه إلى وجهين:

أحدهما: أي: مصدق القول بما وعد للمؤمنين الجنة.

والثاني: المؤمن هو المصدق لما قال المؤمنون المصدقون من تصديقهم، فيصدقهم بما قالوا.

ومن الناس من قال: سمى نفسه بما أخبر أن هذا القرآن لما بين يديه مصدق.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {الْمُهَيْمِنُ} اختلف فيه - أيضًا -:

قال قائلون: المهيمن هو الأمين.

وقال قائلون: المهيمن هو المسلط.

وقال قائلون: المهيمن هو الشاهد.

فمن قال بالأول فإنه يذهب إلى أن أصل ذلك من المؤتمن، وهو من الأمانة، وإلى هذا التأويل يذهب الْقُتَبِيّ، أي: أمين في كل ما يقول، وفي كل ما يفعل لا يجور.

ومن قال بأنه هو المسلط، أصله من: هيمن يهيمن، أي: سلط يسلط، سئل عن تأويل المسلط؛ فقال: هو كالظاهر؛ إذ قهر العباد كلهم، وهم ملك له.

ومن فسره بالشاهد فإنه يحتمل تأويلين:

أحدهما: أي: شاهد على أفعال العباد من حيث لا يغيب عنه شيء.

والثاني: أي: شاهد بما أنزل على رسوله بالصدق، وهو كقوله - تعالى -: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}، أي: شاهدًا عليه.

وقوله: {الْعَزِيزُ}.

أي: ما من عزيز دونه إلا وهو ذليل.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {الْجَبَّارُ}، قيل فيه بوجهين:

أحدهما: سمى نفسه: الجبار؛ لأنه هو المجبر لكل كبير.

فقال قائلون: سمى نفسه: الجبار؛ لجبروته وعظمته، ولا يجوز لأحد أن يسمى بذلك الاسم إلا هو أي: اللّه تعالى وتجبر عن أن يكون له أمثال وأشكال.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {الْمُتَكَبِّرُ}.

من الكبرياء والعظمة، هذا الاسم لا يليق بغيره؛ لأن الخلق بعضهم لبعض أكفاء في الخلقة؛ فلا فضل لأحد على آخر، فلما استووا لم يجز لأحد على آخر التكبر؛ فصار الحق في ذلك للّه تعالى، والتكبر على الآخر هو الارتفاع، والأصل فيه واحد، وهو ألا يرى لنفسه شكلا، واللّه أعلم.

إنما سمى نفسه: متكبرًا؛ إذ هو المتكبر لذاته لم يكن تكبره بغيره؛ فلذلك قلنا: إنه لا يستحق أحد من الخلائق التكبر إلا اللّه - تعالى - إذ لم يكن أحد له شكلا ولا ضدا ولا ندًّا، وأما غيره من الخلائق فكل واحد منهم بالذي له شكل.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {سُبْحَانَ اللّه عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

فيه تنزيه للّه - تعالى - عما قالت الملاحدة فيه، فهذا اسم سمى به نفسه، وأمر الملائكة والأنبياء والمؤمنين أن يقولوا ذلك، ومعنى قوله: {سُبْحَانَ اللّه}، أي: معاذ

اللّه أن يكون ذلك على ما قالت الكفرة، وسمى نفسه: جبارًا؛ لما أنه يجبر الأشياء فيجعلها على ما يشاء، وهو كقوله: {الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ}.

على ما يريد هو الأشياء، لا على ما يريده غيره.

قال الشيخ - رحمه اللّه -: إن اللّه - تعالى - يتعالى بمعان أربعة:

أحدها: تعاليه عن الظلم والجور وجميع ما لا يليق.

والثاني: تعاليه على الأشياء كلها بقهره لها وتصريفه إياها على ما يشاء، أي: ليس أحد يقهره، بل هو يقهر الخلائق.

والثالث: تعاليه عن أن تمسه الحاجة والآفة وكل من هو دونه لا يخلو عن ذلك.

والرابع: تعاليه عما قال الظالمون فيه من الولد والأضداد والأشكال والأنداد، وتعاليه عن جميع الآفات التي تصيب الخلق، واللّه المستعان.

﴿ ٢٣