١١وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللّه}. قَالَ بَعْضُهُمْ: {بِإِذْنِ اللّه} يعني: بأمر اللّه، وهو قول الحسن. وقَالَ بَعْضُهُمْ: {بِإِذْنِ اللّه} يعني: بعلم اللّه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: {بِإِذْنِ اللّه} يعني: بمشيئة اللّه. ولكل من ذلك وجه: فأما من قال: بأمر اللّه، فمعناه وحجته: أن هذه المصائب كلها عقوبات؛ ألا ترى إلى قوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}. ومعلوم أن جزاء ما كسبت يده عقوبة له، والتعذيب والعقوبة إنما يكون بأمر اللّه؛ فلذلك قال: معنى قوله: {بِإِذْنِ اللّه} أي: بأمر اللّه. لكن عندنا هذا يرجع إلى ما يصيبهم من أيدي الخلق، كقوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّه بِأَيْدِيكُمْ}، وقوله: {هَلْ تَرَبَّصُونَ. . .} إلى قوله: {أَنْ يُصِيبَكُمُ اللّه بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا}، ونحو ذلك، وهذه المصائب لا تحتمل تأويلاً للأمر من اللّه تعالى. ومن قال: بعلم اللّه، فوجه ذلك: أن هذه المصائب فيها إهلاك العبيد، وفي الشاهد أنه لا يحب أحدًا أن يعلم بما فيه هلاك عبيده وخدمه، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أن هذه المصائب وإن كان فيها هلاك عبيده فإنما يكون ذلك بعلمه، وأن هلاكهم لا يضره، ولا ينقص من ملكه؛ لأن اللّه - سبحانه وتعالى - أنشأ ما أنشأ من الخلائق لحاجة لهم، ولمنفعة ترجع إليهم ومضرة تلحقهم؛ فحلول ما يحل بهم من المصائب لا يضره ولا ينفعه لذلك كان علمها ما ذكر. ومن قال: بمشيئة اللّه وإرادته فوجه ذلك: أن اللّه تعالى وعد وأوعد، ولا محالة يريد من عبيده ما يكون بوعيده عادلا وأن يضع وعده موضعه، وإذا كان كذلك ثبت أنه يريد من كل أحد ما يعلم أنه يكون منه؛ لأنه إذا خلق النار، وأوعد عليها، فلو أراد من كل منهم الطاعة، لكان إذا أحرق بالنار أحرق من أراد منه الطاعة فدخل في حد الجور، ولو كان يريد من كل منهم المعصية، لكان إذا أنجز وعده، وأدخله الجنة كان يضع ثوابه غير موضعه ويخرج عن حد الحكمة، وإذا كان كذلك، ثبت أنه أراد من كل ما علم أنه يختاره، ويكون منه ليخرج فعله على الحكمة، واللّه الموفق. ونحن نقول: قد ذكر اللّه تعالى الإذن في مواضع مختلفة، ولكل من ذلك وجه غير وجه صاحبه، فالواجب أن يصرف معناه في كل موضع إلى ما يليق به، واللّه أعلم. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللّه يَهْدِ قَلْبَهُ}. قال أبو بكر: أي: من آمن بما شاهد من التدبير، يهديه اللّه تعالى؛ ليعلم أن من دبر هذا التدبير هو الذي ابتلاه بهذه المصيبة. ويجوز أن يكون تأويله على وجه آخر، وهو أن يقول: من يؤمن باللّه أن له الخلق والأمر - يهدِ قلبه؛ ليسكن، ويعلم أن اللّه أولى به؛ فيسترجع عند ذلك، وذلك تأويل من قرأ (يهدأ قلبُه) أي: يسكن؛ من الهدوء وهو السكون، واللّه أعلم. والثاني: يحتمل أن تكون هذه الهداية وإن خرجت على لفظ الإحداث، فليس على الإحداث ولكن معناه: أن إيمانه باللّه تعالى إنما كان بهدايته منه؛ لأنه لا يجوز أن يكون الإيمان متقدما والهداية متأخرة، ولكن حين هداه، آمن بما هداه؛ وهذا على ما قال اللّه تعالى: {اللّه وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}، فهذا خرج في الظاهر على لفظ الإحداث، ولكنه في الحقيقة ليس عليه ولكن على معنى أنهم لما آمنوا، أخرجهم بالإيمان من الظلمات إلى النور بعد الإيمان، فكذلك الأول، واللّه أعلم. ويجوز أن يكون تأويله: أن اللّه يهدي قلبه، أي: يتوب عليه من الزلات عند الموت؛ على ما قال اللّه تعالى: {وَيَتُوبَ اللّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}. وقيل: فيه لغات أربع {يَهْدِ قَلْبَهُ} بنصب الياء والباء جميعًا، و {يُهْدَ قَلْبُهُ} برفع الياء والباء جميعًا، و {يَهْدَ قلبُه} بفتح الياء وضم الباء، أي: يهتدي، و {يَهْدِ قَلْبَهُ} من السكون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَاللّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. الأصل في الأسماء المشتركة إذا أضيف شيء منها إلى اللّه تعالى، فحق التخصيص في الإضافة إليه أن يضاف بحق الكليات ليكون فرقا بينه وبين العباد فيقال: {وَاللّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، ويقال في الخلق: فلان عليم بكذا على الخصوص، وليعلموا أن العبيد إنما يعملون ما يعملون بعلمه، وكذلك هذا في قوله: {وَاللّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وهذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن اللّه - عَزَّ وَجَلَّ - ليس بقادر على كثير من الأشياء فكأنهم أشركوا في اسم القدرة غيره؛ لأنه لا أحد من الخلق إلا وله جزء من القدرة، فلو قلنا: إن اللّه تعالى يقدر على بعض ولا يقدر على بعض لسوينا بينه وبين خلقه، وشبهناه بهم، جل اللّه - سبحانه وتعالى - عن مثل هذا الوصف، واللّه المستعان. |
﴿ ١١ ﴾