١٦وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاتَّقُوا اللّه مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦). قَالَ بَعْضُهُمْ: نسخت هذه الآية قوله تعالى: {اتَّقُوا اللّه حَقَّ تُقَاتِهِ}، حيث أمر هاهنا بالاتقاء على قدر الاستطاعة، وثم بخلافه، ولكن هذا لا يستقيم؛ لأن قوله: {اتَّقُوا اللّه حَقَّ تُقَاتِهِ} لا يراد به الاتقاء فيما لا يستطيعون لا فوق الطاقة والاستطاعة، لكنه إن كان فوجهه: أن {اتَّقُوا اللّه حَقَّ تُقَاتِهِ}، وإن هلكت فيه طاقتكم؛ لأنهم أمروا بتقوى تهلك به طاقتهم على ما قال: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ}، ولو كتب عليهم أن يقتلوا أنفسهم جاز ولكنه تهلك طاقتهم فيه، فكذلك الأول، ثم قال: {فَاتَّقُوا اللّه مَا اسْتَطَعْتُمْ} تخفيفا عليهم وتيسيرا واللّه أعلم. ولكن الكلام في أن كيف قال: {فَاتَّقُوا اللّه مَا اسْتَطَعْتُمْ} ولم نكن نتقي لولا هذه الآية إلا ما استطعنا، ولكن معناه - واللّه أعلم -: على جهة البشارة: أنكم إذا قصدتم قصد التقوى، آتاكم اللّه - تعالى - الاستطاعة في تقواه، وهو كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى). وهذه الآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الاستطاعة تتقدم الفعل، وهي تزول عن الفاعل وتقدم عند الفعل، ولو كان كذلك كان يجعل قوله: {فَاتَّقُوا اللّه مَا اسْتَطَعْتُمْ} واستطاعة زالت عنهم، وكذلك قوله: {فَخُذهَا بِقُوَّةٍ}، وكذلك قوله: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ}، زالت عنهم هذا مستحيل، والذي يؤيد قولنا قول اللّه جل ثناؤه: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا}، والحاجة إلى هذه الاستطاعة تقع عند أداء البدل عن الأصل، فأما قبل ذلك إن كان مستطيعا أو غير مستطيع فهو سواء. قوله تعالى: {وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا}. أي: اسمعوا إلى ما أمركم اللّه تعالى به ورسوله. أو يكون قوله: {وَاسْمَعُوا} بمعنى: أجيبوا لما أمركم اللّه به، وإلى ما دعاكم اللّه ورسوله؛ كقوله: " سمع اللّه لمن حمده "، أي أجابه. وقوله - تعالى -: {وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ}. أي: وأنفقوا مما رزقناكم خيرا لكم من أن تدعوا الإجابة لما أمركم والإنفاق مما رزقكم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ}. قال سفيان بن عيينة: أي: ومن يوق ظلم نفسه، والشح: الظلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الشح: البخل، الذي فيه الحرص. قال: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} أضاف الوقاية إلى نفسه؛ ليعلم أن من اتقاه فإنما اتقاه بما وقاه اللّه تعالى بلطفه وكرمه، ألا ترى إلى قوله: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}، كيف علمهم ذلك التقوى بقوله: {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} أن قولوا: وقنا عذاب النار؛ ليعلم أن جميع أفعال العباد إنما تقوم وتصح بتدبير اللّه - تعالى - وتوفيقه وتسديده وتقديره، واللّه أعلم. ثم قوله: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فيه أوجه من الدلالة: أحدها: أن قوله: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} لم يبين فاعله، ففيه بيان أن في سلطان اللّه وملكه ما يقي به شح عبده، وأنه إذا وقاه شح نفسه أفلح، وكذلك في قوله: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللّه فَلَا غَالِبَ لَكُمْ}، إخبار أن من ينصره اللّه فلا يغلب، وقد يرى في الشاهد من لا يوق شح نفسه ألبتَّة، ومن قد يوق شح نفسه ولا يفلح، وقد نرى من يجاهد أعداءه فيغلب، مع ما وعده وأخبر أنه هو الغالب وأنه لا يغلب، فلا بد في ذلك من أحد وجهين: إما أن لم يكن للّه تعالى النصرة في ملكه وسلطانه كما ادعى، فهو كاذب فيما ادعى، وإما أن آتاه من القوة ما يقي به شح نفسه فلم يفلح؛ فصار كاذبا في خبره. فأما المعتزلة فإنهم زعموا أن اللّه تعالى قد آتى عبده جميع ما يقي به شح نفسه حتى لم يبق في خزانته شيء يؤتيه ليقي به شح نفسه - كذبة، وإذا لم يكن بد من نسبة الكذب إلى اللّه تعالى أو إلى المعتزلة، كانت المعتزلة أولى أن ينسبوا إلى الكذب من رب العالمين فيما أخبروا هم، وأن اللّه تعالى فيما أخبر صادق، وأن في ملكه وسلطانه ما لم يؤت عبده ليقي به شح نفسه، واللّه المستعان. وفيه دلالة على إبطال قول من قال: إن على الكفرة أداء هذه العبادات، والحقوق واجبة، وذلك أن اللّه تعالى وعد في هذه الآية أن من وقي شح نفسه، وأدى ما وجب عليه من هذه الحقوق فقد أفلح، وقد ترى الكافر في الشاهد يوقى شح نفسه، ويؤدي حقوق أمواله ويسخو بماله على الناس، ولا يفلح ولو كان عليه هذه الحقوق واجبة، لكان يحصل له الفلاح، ثبت أنه ليس عليه أداءها وإنما عليه قبولها، واللّه أعلم. وفيه أن صاحب الكبيرة قد يرجى له الفلاح وإن لم يتب عن الكبيرة حتى مات؛ لأنا قد نرى صاحب الكبيرة قد يوقى شح نفسه، وقد وعد اللّه - عَزَّ وَجَلَّ - أن من وقي شح نفسه، فهو من المفلحين، فإذا كان صاحب الكبيرة قد يوقى شح نفسه؛ فقد ثبت أنه يرجى له الفلاح، واللّه أعلم. |
﴿ ١٦ ﴾