١٧وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ تُقْرِضُوا اللّه قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّه شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) تولد من هذه الآيات ظنون فاسدة: أحدها: ظن اليهود، حيث قالوا: إن اللّه فقير ونحن أغنياء؛ وذلك أنهم لما سمعوا أن اللّه تعالى يقول: {إِنْ تُقْرِضُوا اللّه قَرْضًا حَسَنًا} والاستقراض في الشاهد يدل على الحاجة إلى ما يستقرض، وكذلك قوله - تعالى -: {إِنَّ اللّه اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ}، والشراء يدل على حاجة في المشتري، وحيث استعمل عبيده في الأعمال، ثم قال: {فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}، ورأوا أن من يستعمل آخر فإنما يستعمله في عمل ترجع منفعته عليه ويحتاج إلى عمله، ظنوا بذلك أن اللّه فقير وأنه محتاج. وظنت المعتزلة أن أنفس العبيد وأملاكهم ملك لهم حقيقة ليس للّه - تعالى - في شيء من ذلك ملك ولا تدبير، قالوا: وذلك أن اللّه تعالى استقرض من عبيده، والمرء في الشاهد لا يستقرض ملك نفسه، فلما استقرض واستباع دل أن هذه الأشياء كانت ملكا لهم حقيقة. والذي يدل على أن قول المعتزلة على ما وصفنا: أن من قولهم: إن ليس للّه تعالى أن يمرض أحدًا ولا يؤلم ذاته إلا بعوض، ومن لم يملك فعل شيء إلا بعوض أو بدل تبين أنه لا يملكه؛ فثبت على أن عندهم أنه لا يملك حقيقة، وأن حقيقة الملك فيه للعبيد. ويشبه أن يكون ظن اليهود والمعتزلة، جميعًا إنما تولد من قولهم: إن ليس للّه تعالى أن يفعل بعبيده إلا ما هو أصلح لهم في دينهم، فذهبت اليهود إلى أن هذا لما كان حقًّا على اللّه أن يفعله لا محالة حتى إذا لم يفعله يكون جائرا، ومن كان مأخوذا بحق أو بشيء يفعله، ففيه بيان أن حقيقة ذلك الفعل لغيره حتى أخذ به لا محالة؛ لذلك قلنا: إن ظنونهم تولدت عن القول بالأصلح، واللّه المستعان. وأما الحكماء وأهل العقل ومن انتفع بعقله، حمل هذه الآيات من اللّه تعالى على نهاية الكرم وغاية الغناء؛ لأن اللّه تعالى أعطى عبده، ثم استقرض منه ذلك الذي أعطاه؛ ليصير ذلك العطاء دائما ببدله الدائم، وهو النعيم في الآخرة، ومعلوم أن من أراد دوام عطاء من أعطاه فهو في غاية الكرم، وكذلك اشترى منه حياة فانية؛ ليعطي له حياة دائمة، وهذا من غاية الجود، ومن استعمل عبده في عمل يوصف بأنه جواد سخي ويشرف به، ويكرم ثم وعد له على ما فيه شرفه أجزا دائمًا، دل على غناه، فثبت أنه أراد بهذه الآيات أن يعلمنا غاية كرمه وغاية جوده ونهاية غناه، وأن جوده وكرمه مما لا تدركه عقولنا، واللّه المستعان. والذي يدل على غاية كرمه وغاية جوده: أن جعل ما نتصدق به على فقرائنا وما نصل به أرحامنا قرضا حسنا على نفسه، ووعد الأجر بعمل يعمله العبد لنفسه، وعلى عمل على العبد فعله لا محالة، ولا شك أن ذلك من غاية الجود والكرم، واللّه المستعان. ثم قوله: {إِنْ تُقْرِضُوا اللّه قَرْضًا حَسَنًا}. قَالَ بَعْضُهُمْ: القرض: هو القطع، كأنه قال: اقطعوا شيئًا من أموالكم للّه تعالى قطعا حسنا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: اقرضوا، أي: اجعلوا ما تتصدقون به مما فضل عن حاجاتكم على فقرائكم قرضا حسنا على اللّه تعالى يؤتكم أجره عند حاجتكم إليه. وقوله: {يُضَاعِفْهُ لَكُمْ}. يعني: يضاعف ما يعطيكم في الآخرة من الثواب الذي تكرمون به، بما شرفتم به، وتزينتم في الدنيا بالتصدق. وقوله: {وَاللّه شَكُورٌ حَلِيمٌ}. يعني: شكور؛ حيث شكر لكم على ما أعطيتموه شيئًا هو أعطاكم إياه. وقوله: {حَلِيمٌ}. وصف نفسه بالحلم، وعلى قول المعتزلة لا يتحقق هذا الوصف؛ لأنهم يقولون: إنه إذا وجبت العقوبة، فليس للّه تعالى أن يؤخرها كرمًا منه، وأنه فيما أخرها كان ذلك حقًّا عليه؛ حيث رأى الأصلح في تأخيرها، ومعلوم أن من أدى حقًّا عليه لم يوصف بالحلم، ولكنه يقال: إنه ينفي الجور، والحليم من يحلم عن عقوبة لزمت فيؤخرها ويتركها ويعفو صاحبها عنها؛ فيوصف بالحلم عند ذلك، وأما أن يكون عليه تأخيرها، فلا يوصف بالحلم في هذا الموضع، واللّه أعلم. |
﴿ ١٧ ﴾