٣٧وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧) فهم الذين قال: (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللّه الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ). ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: {فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا} لا يجوز أن تكون السلسلة تفضل عن أبدانهم فتأخذ فضل مكان من جهنم؛ لأنه - تعالى - وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولو كانت تلك السلسلة آخذة فضل مكان، لكان لا يقع الامتلاء بالجنة والناس أجمعين فقط، فيؤدي إلى خلف الوعد، واللّه - عَزَّ وَجَلَّ - لا يخلف الميعاد، ولكن إن كانت تلك السلسلة أطول من أبدانهم فهي تدار على أهلها؛ ليقع لهم بها فضل تضييق وغم، فأمّا أن تفضل عن أبدانهم فلا يحتمل. وذكر عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - أنه قال: " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا؛ فإنه أهون -أو قال: أيسر- عليكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر يوم القيامة؛ {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} ". وعن الحسن أنه قال: " إن المؤمن قوام نفسه، يحاسب نفسه للّه - تعالى - وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة؛ لأن المؤمن يفجؤه الشيء فيقول: واللّه إني لأستهينك وإنك لمن حاجتي، ولكن واللّه ما لي من صلة إليك، هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء؛ فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت هذا، ما لي ولهذا، واللّه ما أعذر، واللّه لا أعود لهذا إن شاء اللّه - تعالى - إن المؤمنين قوم أوثقهم العذاب، وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسِير في الدنيا يسعى في فكاك نفسه، لا يأمن شيئًا حتى يلقى اللّه يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه وجوارحه كلها. فمحاسبة النفس: أن ينظر في كل فعل يريد أن يقدم عليه إلى عاقبته، فإن كان رشدًا أمضاه وأنفذه، وإن كان غيًّا انتهى عنه، كما قال النبي - عليه السلام -: " إذا أردت أمرًا فدبّر عاقبته، فإن كان رشدًا فأمضه، وإن كان غيًّا فانته عنه ". وقال في خبر آخر: " إن المؤمن وقَّاف وزان "، ووزنه: ما ذكر في الخبر الأول من النظر في العواقب، فإذا نظر في العاقبة، ورأى الرشد في إنفاذه، فقد وزنه، وإذا رأى خلاف الرشد، انتهى عنه، ولم يقدم عليه، فذلك وقفه، فهذا الذي ذكرنا محاسبة المرء نفسه فيما يروم من الأمور. ومحاسبة نفسه في الأفعال التي ارتكبها وأمضاها أن ينظر: فإن كان ارتكب محرمًا، تاب عنه، واستغفر للّه - تعالى - لعله بفضله يمن عليه بالمغفرة، وإن كان ذلك فعلًا مرضيًا حمد اللّه - تعالى - وسأله التوفيق بمثله؛ فهذه هي محاسبة العبد لنفسه فيما ارتكب من الأفعال. |
﴿ ٣٧ ﴾